محمد بن جرير الطبري
41
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
خطأ . وذلك أن الله عز وجل أن يخالف بين عقوبات معاصيه بما شاء ، وأحب فيزيد في عقوبته على بعض معاصيه مما ينقص من بعض ، وينقص من بعض مما يزيد في بعض ، كالذي فعل من ذلك في مخالفته بين عقوبته الزاني البكر والزاني الثيب المحصن ، وبين سارق ربع دينار وبين سارق أقل من ذلك ؛ فكذلك خالف بين عقوبته قاتل الصيد من المحرمين عمدا ابتداء وبين عقوبته عودا بعد بدء ، فأوجب على البادئ المثل من النعم ، أو الكفارة بالإطعام ، أو العدل من الصيام ، وجعل ذلك عقوبة جرمه بقوله : لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ وجعل على العائد بعد البدء ، وزاده من عقوبته ما أخبر عباده أنه فاعل من الانتقام تغليظا منه للعود بعد البدء . ولو كانت عقوباته على الأشياء متفقة ، لوجب أن لا يكون حد في شيء مخالفا حدا في غيره ، ولا عقاب في الآخرة أغلظ من عقاب ، وذلك خلاف ما جاء به محكم الفرقان . وقد زعم بعض الزاعمين أن معنى ذلك : ومن عاد في الإسلام بعد نهي الله عن قتله لقتله بالمعنى الذي كان القوم يقتلونه في جاهليتهم ، فعفا لهم عنه عند تحريم قتله عليهم ، وذلك قتله على استحلال قتله . قال : فأما إذا قتله على غير ذلك الوجه ، وذلك أن يقتله على وجه الفسوق لا على وجه الاستحلال ، فعليه الجزاء والكفارة كلما عاد . وهذا قول لا نعلم قائلا قاله من أهل التأويل ، وكفي خطأ بقوله خروجه عن أقوال أهل العلم لو لم يكن على خطئه دلالة سواه ، فكيف وظاهر التنزيل ينبئ عن فساده ؟ وذلك أن الله عم بقوله : وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ كل عائد لقتل الصيد بالمعنى الذي تقدم النهي منه به في أول الآية ، ولم يخص به عائدا منهم دون عائد ، فمن ادعى في التنزيل ما ليس في ظاهره كلف البرهان على دعواه من الوجه الذي يجب التسليم له . وأما من زعم أن معنى ذلك : ومن عاد في قتله متعمدا بعد بدء لقتل تقدم منه في حال إحرامه فينتقم الله منه ، فإن معنى قوله : عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ إنما هو : عفا الله عما سلف من ذنبه بقتله الصيد بدءا ، فإن في قول الله تعالى : لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ دليلا واضحا على أن القول في ذلك غير ما قال ؛ لأن العفو عن الجرم ترك المؤاخذة به ، ومن أذيق وبال جرمه فقد عوقب به ، وغير جائز أن يقال لمن عوقب قد عفي عنه ، وخبر الله أصدق من أن يقع فيه تناقض . فإن قال قائل : وما ينكر أن يكون قاتل الصيد من المحرمين في أول مرة قد أذيق وبال أمره بما ألزم من الجزاء والكفارة ، وعفي له من العقوبة بأكثر من ذلك مما كان لله عز وجل أن يعاقبه به ؟ قيل له : فإن كان ذلك جائزا أن يكون تأويل الآية عندك وإن كان مخالفا لقول أهل التأويل ، فما ينكر أن يكون الانتقام الذي أوعده الله على العود بعد البدء ، هو تلك الزيادة التي عفاها عنه في أول مرة مما كان له فعله به مع الذي أذاقه من وبال أمره ، فيذيقه في عوده بعد البدء وبال أمره الذي أذاقه المرة الأولى ، ويترك عفوه عما عفا عنه في البدء ، فيؤاخذه به ؟ فلم يقل في ذلك شيئا إلا ألزم في الآخر مثله . القول في تأويل قوله تعالى : وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ يقول عز وجل : والله منيع في سلطانه ، لا يقهره قاهر ، ولا يمنعه من الانتقام ممن انتقم منه ، ولا من عقوبة من أراد عقوبته مانع ، لأن الخلق خلقه ، والأمر أمره ، له العزة والمنعة . وأما قوله : ذُو انْتِقامٍ فإنه يعني به : معاقبته لمن عصاه على معصيته إياه . القول في تأويل قوله تعالى : أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ يقول تعالى ذكره : أُحِلَّ لَكُمْ أيها المؤمنون صَيْدُ الْبَحْرِ وهو ما صيد طريا . كما : حدثني يعقوب ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا عمر بن أبي سلمة ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، قال : قال عمر بن الخطاب في قوله : أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ قال : صيده : ما صيد منه . حدثني ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن مغيرة ، عن سماك ، قال : حدثت ، عن ابن عباس ، قال : خطب أبو بكر الناس ، فقال : أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ قال : فصيده : ما أخذ . حدثني يعقوب ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا حصين ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، في قوله : أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ