محمد بن جرير الطبري
36
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
مرادا به : فعلى قاتله متعمدا مثل الذي قتل من النعم ، لا القيمة إن اختار أن يجزيه بالمثل من النعم ؛ ما يقتله المحرم وذلك أن القيمة إنما هي من الدنانير أو الدراهم أو الدنانير ليست للصيد بمثل ، والله تعالى إنما أوجب الجزاء مثلا من النعم . وأولى الأقوال بالصواب عندي في قوله : أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً أن يكون تخييرا ، وأن يكون للقاتل الخيار في تكفيره بقتله الصيد وهو محرم بأي هذه الكفارات الثلاث شاء ما يقتله المحرم ، لأن الله تعالى جعل ما أوجب في قتل الصيد من الجزاء والكفارة عقوبة لفعله ، وتكفيرا لذنبه في إتلافه ما أتلف من الصيد الذي كان حراما عليه إتلافه في حال إحرامه ، وقد كان حلالا له قبل حال إحرامه ، كما جعل الفدية من صيام أو صدقة أو نسك في حلق الشعر الذي حلقه المحرم في حال إحرامه ، وقد كان له حلقه قبل حال إحرامه ، ثم منع من حلقه في حال إحرامه نظير الصيد ، ثم جعل عليه إن حلقه جزاء من حلقه إياه ، فأجمع الجميع على أنه في حلقه إياه إذا حلقه من إيذائه مخير في تكفيره ، فعليه ذلك بأي الكفارات الثلاث شاء ، فمثله إن شاء الله قاتل الصيد من المحرمين ، وأنه مخير في تكفيره قتله الصيد بأي الكفارات الثلاث شاء ، لا فرق بين ذلك . ومن أبى ما قلنا فيه ، قيل له : حكم الله تعالى على قاتل الصيد بالمثل من النعم ، أو كفارة طعام مساكين ؛ أو عدله صياما ، كما حكم على الحالق بفدية من صيام أو صدقة أو نسك ، فزعمت أن أحدهما مخير في تكفير ما جعل منه ، عوض لأي الثلاث شاء ، وأنكرت أن يكون ذلك للآخر ، فهل بينك وبين من عكس عليك الأمر في ذلك فجعل الخيار فيه حيث أبيت وأبيت حيث جعلته له فرق من أصل أو نظير ؟ فلن يقول في أحدهما قولا ، إلا ألزم في الآخر مثله . ثم اختلفوا في صفة التقويم إذا أراد التكفير بالإطعام ما يقتله المحرم ، فقال بعضهم : يقوم الصيد قيمته بالموضع الذي أصابه فيه ، وهو قول إبراهيم النخعي ، وحماد ، وأبي حنيفة ، وأبي يوسف ، ومحمد ، وقد ذكرت الرواية عن إبراهيم وحماد فيما مضى بما يدل على ذلك ، وهو نص قول أبي حنيفة وأصحابه . وقال آخرون : بل يقوم ذلك بسعر الأرض التي يكفر بها ما يقتله المحرم . ذكر من قال ذلك : حدثنا هناد ، قال : ثنا ابن أبي زائدة ، قال : ثنا إسرائيل ، عن جابر ، عن عامر ، قال في محرم أصاب صيدا بخراسان ما يقتله المحرم ، قال : يكفر بمكة أو بمنى ، وقال : يقوم الطعام بسعر الأرض التي يكفر بها . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا أبو يمان ، عن إسرائيل ، عن جابر ، عن الشعبي ، في رجل أصاب صيدا بخراسان ، قال : يحكم عليه بمكة ما يقتله المحرم . والصواب من القول في ذلك عندنا ، أن قاتل الصيد إذا جزأه بمثله من النعم ما يقتله المحرم ، فإنما يجزيه بنظيره في خلق وقدره في جسمه من أقرب الأشياء به شبها من الأنعام ، فإن جزاه بالإطعام قومه قيمته بموضعه الذي أصابه فيه ، لأنه هنا لك وجب عليه التكفير بالإطعام ، ثم إن شاء أطعم بالموضع الذي أصابه فيه وإن شاء بمكة وإن شاء بغير ذلك من المواضع حيث شاء ؛ لأن الله تعالى إنما شرط بلوغ الكعبة بالهدي في قتل الصيد دون غيره من جزائه ، فللجازي بغير الهدى أن يجزيه بالإطعام والصوم حيث شاء من الأرض . وبمثل الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل العلم . ذكر من قال ذلك : حدثنا هناد ، قال : ثنا ابن أبي زائدة ، قال : ثنا ابن أبي عروبة ، عن أبي معشر ، عن إبراهيم قال : ما كان من دم فبمكة ما يقتله المحرم ، وما كان من صدقة أو صوم حيث شاء . وقد خالف ذلك مخالفون ، فقالوا : لا يجزئ الهدى والإطعام إلا بمكة ما يقتله المحرم ، فأما الصوم فإن كفر به يصوم حيث شاء من الأرض . ذكر من قال ذلك : حدثنا هناد ، قال : ثنا وكيع ، وحدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن حماد بن سلمة ، عن قيس بن سعد ، عن عطاء ، قال : الدم والطعام بمكة ، والصيام حيث شاء ما يقتله المحرم . حدثنا هناد ، قال : ثنا وكيع ، وحدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن مالك بن مغول ، عن عطاء ، قال : كفارة الحج بمكة ما يقتله المحرم . حدثنا عمرو بن علي ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن ابن جريج ، قال : قلت لعطاء : أين يتصدق بالطعام إن بدا له ؟ قال : بمكة من أجل أنه بمنزله الهدي ، قال : فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ ما يقتله المحرم من أجل أنه