محمد بن جرير الطبري
37
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
أصابه في حرم يريد البيت فجزاؤه عند البيت . فأما الهدي ، فإنه جزاء ما قتل من الصيد ، فلن يجزئه من كفارة ما قتل من ذلك إلا أن يبلغه الكعبة طيبا ، وينحره أو يذبحه ، ويتصدق به على مساكين الحرم ما يقتله المحرم . ويعني بالكعبة في هذا الموضع : الحرم كله ، ولمن قدم بهديه الواجب من جزاء الصيد أن ينحره في كل وقت شاء قبل يوم النحر وبعده ، ويطعمه ؛ وكذلك إن كلو بالطعام فله أن يكفر به متى أحب وحيث أحب ، وإن كلو بالصوم فكذلك . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ، خلا ما ذكرنا من اختلافهم في التكفير بالإطعام على ما قد بينا فيما مضى . ذكر من قال ذلك : حدثنا هناد ، قال : ثنا ابن أبي زائدة ، قال : أخبرنا ابن جريج ، قال : قلت لعطاء : أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً ما يقتله المحرم هل لصيامه وقت ؟ قال : لا ، إذ شاء وحيث شاء ، وتعجيله أحب إلي . حدثنا هناد ، قال : ثنا ابن أبي زائدة ، قال : أخبرنا ابن جريج ، قال : قلت لعطاء : رجل أصاب صيدا في الحج أو العمرة ، فأرسل بجزائه إلى الحرم في المحرم أو غيره من الشهور ، أيجزئ عنه ؟ ما يقتله المحرم قال : نعم ثم قرأ : هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ قال هناد : قال يحيى : وبه نأخذ . حدثنا هناد ، قال : ثنا ابن أبي زائدة ، قال : أخبرنا ابن جريج وابن أبي سليم ، عن عطاء ، قال : إذا قدمت مكة بجزاء صيد فانحره ، فإن الله تعالى يقول : هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ ما يقتله المحرم إلا أن يقدم في العشر ، فيؤخر إلى يوم النحر . حدثنا هناد ، قال : ثنا ابن أبي زائدة ، قال : ثنا ابن جريج ، عن عطاء ، قال : يتصدق الذي يصيب الصيد بمكة ، فإن الله تعالى يقول : هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ ما يقتله المحرم القول في تأويل قوله تعالى : أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً يعني تعالى ذكره بذلك : أو على قاتل الصيد محرما عدل الصيد المقتول من الصيام ما يقتله المحرم ، وذلك أن يقوم الصيد حيا غير متقول قيمته من الطعام بالموضع الذي قتله فيه المحرم ، ثم يصوم مكان كل مد يوما ؛ وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم عدل المد من الطعام بصوم يوم في كفارة المواقع في شهر رمضان . فإن قال قائل : فهلا جعلت مكان كل صاع في جزاء الصيد صوم يوم قياسا على حكم النبي صلى الله عليه وسلم في نظيره ، وذلك حكمه على كعب بن عجرة ، إذ أمره أن يطعم إن كفر بالإطعام فرقا من طعام وذلك ثلاثة آصع بين ستة مساكين ، فإن كفر بالصيام أن يصوم ثلاثة أيام ، فجعل الأيام الثلاثة في الصوم عدلا من إطعام ثلاثة آصع ، فإن ذلك بالكفارة في جزاء الصيد أشبه من الكفارة في قتل الصيد بكفارة المواقع امرأته في شهر رمضان ؟ قيل : إن القياس إنما هو رد الفروع المختلف فيها إلى نظائرها من الأصول المجمع عليها ، ولا خلاف بين الجميع من الحجة ، أنه لا يجزئ مكفرا كفر في قتل الصيد بالصوم ، أن يعدل صوم يوم بصاع طعام . فإن كان ذلك كذلك ، وكان غير جائز خلافها فيما حدث به من الدين مجمعة عليه صح بذلك أن حكم معادلة الصوم الطعام في قتل الصيد مخالف حكم معادلته إياه في كفارة الحلق ، إذا كان غير جائز ، وداخل على آخر قياسا ؛ وإنما يجوز أن يقاس الفرع على الأصل ، وسواء قال قائل : هلا رددت حكم الصوم في كفارة قتل الصيد على حكمه في حلق الأذى فيما يعدل به من الطعام ؛ وآخر قال : هلا رددت حكم الصوم في الحلق على حكمه في كفارة قتل الصيد فيما يعدل به من الطعام ، فتوجب عليه مكان كل مد ، أو مكان كل نصف صاع صوم يوم . وقد بينا فيما مضى قبل أن العدل في كلام العرب بالفتح ، وهو قدر الشيء من غير جنسه ، وأن العدل هو قدره من جنسه . وقد كان بعض أهل العلم بكلام العرب يقول : العدل مصدر من قول القائل : عدلت بهذا عدلا حسنا . قال : والعدل أيضا بالفتح : المثل ، ولكنهم فرقوا بين العدل في هذا وبين عدل المتاع ، بأن كسروا العين من عدل المتاع ، وفتحوها من قولهم : وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وقول الله عز وجل : أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً كما قالوا : امرأة رزان ، وحجر رزين . وقال بعضهم : العدل :