محمد بن جرير الطبري
35
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ما يقتله المحرم فإن لم يجد جزاء ، قوم عليه الجزاء طعاما ثم صاع لكل صاع يومين . وقال آخرون : معنى ذلك : أن للقاتل صيدا عمدا وهو محرم ، الخيار بين إحدى الكفارات الثلاث وهي الجزاء بمثله من النعم والطعام والصوم . قالوا : وإنما تأويل قوله : فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً ما يقتله المحرم فعليه أن يجزي بمثله من النعم ، أو يكفر بإطعام مساكين أو بعدل الطعام من الصيام . ذكر من قال ذلك : حدثنا هناد بن السري ، قال : ثنا ابن أبي زائدة ، قال : أخبرنا ابن جريج ، عن عطاء ، في قول الله تعالى : فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً ما يقتله المحرم قال : إن أصاب إنسان محرم نعامة ، فإن له أن كان ذا يسار أن يهدي ما شاء جزورا أو عدلها طعاما أو عدلها صياما . قال : كل شيء في القرآن " أو أو " ، فليختر منه صاحبه ما شاء . حدثني يعقوب ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا حجاج ، عن عطاء ، في قوله : فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ قال : " ما كان في القران " أو كذا أو كذا " ، فصاحبه فيه بالخيار ، أي ذلك شاء فعل . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أسباط وعبد الأعلى ، عن داود ، عن عكرمة ، قال : ما كان في القرآن " أو أو " ، فهو فيه بالخيار ، وما كان " فمن لم يجد " فالأول ، ثم الذي يليه الكفارات . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا حفص ، عن عمرو ، عن الحسن ، مثله . حدثني يعقوب ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا ليث ، عن عطاء ومجاهد ، أنهما قالا في قوله : فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ قالا : ما كان في القران " أو كذا أو كذا " ، فصاحبه فيه بالخيار أي ذلك شاء فعل . حدثني يعقوب ، قال : ثنا هشيم ، عن جويبر ، عن الضحاك : ما كان في القرآن " أو كذا أو كذا " ، فصاحبه فيه بالخيار ، أي ذلك شاء فعل . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا أبو حمزة ، عن الحسن . قال : وأخبرنا عبيدة ، عن إبراهيم قالا : كل شيء في القرآن " أو أو " ، فهو بالخيار ، أي ذلك شاء فعل . حدثنا هناد ، قال : ثنا حفص ، عن ليث ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، قال : كل شيء في القرآن " أو أو " فصاحبه مخير فيه ، وكل شيء فمن لم يجد فالأول ، ثم الذي يليه الكفارات . واختلف القائلون بتخيير قاتل الصيد من المحرمين بين الأشياء الثلاثة في صفة اللازم له من التكفير بالإطعام والصوم إذا اختار الكفارة بأحدهما دون الهدي ما يقتله المحرم ، فقال بعضهم : إذا اختار التكفير بذلك ، فإن الواجب عليه أن يقوم المثل من النعم طعاما ، ثم يصوم مكان كل مد يوما ذكر من قال ذلك : حدثنا هناد ، قال : أخبرنا ابن أبي زائدة ، قال : أخبرنا ابن جريج ، قال : قلت لعطاء : ما أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً قال : إن أصاب ما عدله شاة أقيمت الشاة طعاما ما يقتله المحرم ، ثم جعل مكان كل مد يوما يصومه . وقال آخرون : بل الواجب عليه إذا أراد التكفير بالإطعام أو الصوم ، أن يقوم الصيد المقتول طعاما ما يقتله المحرم ، ثم يتصدق بالطعام إن اختار الصدقة ، وإن اختار الصوم صام . ثم اختلفوا أيضا في الصوم ، فقال بعضهم : يصوم لكل مد يوما ما يقتله المحرم . وقال آخرون : يصوم مكان كل نصف صاع يوما . وقال آخرون : يصوم مكان كل صاع يوما ما يقتله المحرم . ذكر من قال : المتقوم للإطعام هو الصيد المقتول : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا جامع بن حماد ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، قال : ثنا شعبة ، عن قتادة : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ الآية ، قال : كان قتادة يقول : يحكمان في النعم ، فإن كان ليس صيده ما يبلغ ذلك ، نظروا ثمنه فقوموه طعاما ما يقتله المحرم ، ثم صام مكان كل صاع يومين . وقال آخرون : لا معنى للتكفير بالإطعام ، لأن من وجد سبيلا إلى التكفير بالإطعام ، فهو واجد إلى الجزاء بالمثل من النعم سبيلا ، ومن وجد إلى الجزاء بالمثل من النعم سبيلا لم يجزه التكفير بغيره . قالوا : وإنما ذكر الله تعالى ذكره الكفارة بالإطعام في هذا الموضع ليدل على صفة التكفير بالصوم لا أنه جعل التكفير بالإطعام إحدى الكفارات التي يكفر بها قتل الصيد ما يقتله المحرم ، وقد ذكرنا تأويل ذلك فيما مضى قبل . وأولى الأقوال بالصواب عندي في قوله الله تعالى : فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ أن يكون