محمد بن جرير الطبري

197

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

يقول تعالى ذكره : إن في إنزال الله تعالى من السماء الماء الذي أخرج به نبات كل شيء ، والخضر الذي أخرج منه الحب المتراكب ، وسائر ما عدد في هذه الآية من صنوف خلقه ؛ لَآياتٍ يقول : في ذلكم أيها الناس إذا أنتم نظرتم إلى ثمره عند عقد ثمره ، وعند ينعه وانتهائه ، فرأيتم اختلاف أحواله وتصرفه في زيادته ونموه ، علمتم أن له مدبرا ليس كمثله شيء ، ولا تصلح العبادة إلا له دون الآلهة والأنداد ، وكان فيه حجج وبرهان وبيان لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ يقول : لقوم يصدقون بوحدانية الله وقدرته على ما يشاء . وخص بذلك تعالى ذكره القوم الذين يؤمنون ، لأنهم هم المنتفعون بحجج الله والمعتبرون بها ، دون من قد طبع على قلبه فلا يعرف حقا من باطل ولا يتبين هدى من ضلالة . القول في تأويل قوله تعالى : وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ يعني بذلك جل ثناؤه : وجعل هؤلاء العادلون بربهم الآلهة والأنداد لله شُرَكاءَ الْجِنَّ كما قال جل ثناؤه : وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً . وفي الجن وجهان من النصب : أحدهما أن يكون تفسيرا للشركاء ، والآخرة : أن يكون معنى الكلام : " وجعلوا لله الجن شركاء وهو خالقهم " . واختلفوا في قراءة قوله : وَخَلَقَهُمْ فقرأته قراء الأمصار : وَخَلَقَهُمْ على معنى أن الله خلقهم منفردا بخلقه إياهم . وذكر عن يحيى بن يعمر ما : حدثني به أحمد بن يوسف ، قال : ثنا القاسم بن سلام ، قال : ثنا حجاج ، عن هارون ، عن واصل مولى أبي عيينة ، عن يحيى بن عقيل ، عن يحيى بن يعمر ، أنه قال : " شركاء الجن وخلقهم " بجزم اللام بمعنى أنهم قالوا : إن الجن شركاء لله في خلقه إيانا . وأولى القراءتين بالصواب قراءة من قرأ ذلك وَخَلَقَهُمْ لإجماع الحجة من القراء عليها . وأما قوله : وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ فإنه يعني بقوله : خَرَقُوا اختلقوا ، يقال : اختلق فلان على فلان كذبا واخترقه : إذا افتعله وافتراه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قوله : وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ والله خلقهم ؛ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ يعني أنهم تخرصوا . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ قال : جعلوا له بنين وبنات بغير علم . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ قال : كذبوا . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ كذبوا ، سبحانه وتعالى عما يصفون عما يكذبون أما العرب فجعلوا له البنات ولهم ما يشتهون من الغلمان ، وأما اليهود ف جَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً ، وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ قال : خرصوا له بنين وبنات . حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ