محمد بن جرير الطبري

198

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

يقول : قطعوا له بنين وبنات ، قالت العرب : الملائكة بنات الله ، وقالت اليهود والنصارى : المسيح وعزيز ابنا الله . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ قال : خرقوا : كذبوا ؛ لم يكن لله بنون ولا بنات ، قالت النصارى : المسيح ابن الله ، وقال المشركون : الملائكة بنات الله ، فكل خرقوا الكذب . وخرقوا : اخترقوا . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قوله : وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ قال : قول الزنادقة . وَخَرَقُوا لَهُ قال ابن جريج : قال مجاهد : خرقوا : كذبوا . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبو أسامة ، عن جويبر ، عن الضحاك : وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ قال : وصفوا له . حدثنا عمران بن موسى ، قال : ثنا عبد الوارث ، عن أبي عمر : وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ قال : تفسيرها : وكذبوا . فتأويل الكلام إذن : وجعلوا لله الجن شركاء في عبادتهم إياه ، وهو المنفرد ، بخلقهم بغير شريك ولا معين ولا ظهير . وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ يقول : وتخرصوا لله كذبا ، فافتعلوا له بنين وبنات بغير علم منهم بحقيقة ما يقولون ، ولكن جهلا بالله وبعظمته وأنه لا ينبعي لمن كان إلها أن يكون له بنون وبنات ولا صاحبة ، ولا أن يشركه في خلقه شريك . القول في تأويل قوله تعالى : سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ يقول تعالى ذكره : تنزه الله وعلا فارتفع عن الذي يصفه به هؤلاء الجهلة من خلقه في ادعائهم له شركاء من الجن واختراقهم له بنين وبنات وذلك لا ينبغي أن يكون من صفته ؛ لأن ذلك من صفة خلقه الذين يكون منهم الجماع الذي يحدث عنه الأولاد ، والذين تضطرهم لضعفهم الشهوات إلى اتخاذ الصاحبة لقضاء اللذات ، وليس الله تعالى ذكره بالعاجز فيضطره شيء إلى شيء ، ولا بالضعيف المحتاج فتدعوه حاجته إلى النساء إلى اتخاذ صاحبة لقضاء لذة . وقوله : تَعالى تفاعل من العلو والارتفاع . وروي عن قتادة في تأويل قوله : عَمَّا يَصِفُونَ أنه يكذبون . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ عما يكذبون . وأحسب أن قتادة عنى بتأويله ذلك كذلك ، أنهم يكذبون في وصفهم الله بما كانوا يصفونه من ادعائهم له بنين وبنات ، لا أنه وجه تأويل الوصف إلى الكذب . القول في تأويل قوله تعالى : بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ يقول تعالى ذكره : الله الذي جعل هؤلاء الكفرة به له الجن شركاء وخرقوا له بنين وبنات بغير علم ، بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني مبتدعها ومحدثها وموجدها بعد أن لم تكن . كما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قال : هو الذي ابتدع خلقهما جل جلاله فخلقهما ولم تكونا شيئا قبله . أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ والولد إنما يكون من الذكر والأنثى ، ولا ينبغي أن يكون لله سبحانه صاحبة فيكون له ولد ؛ وذلك أنه هو الذي خلق كل شيء . يقول : فإذا كان لا شيء إلا الله خلقه ، فأنى يكون لله ولد ولم تكن له صاحبة فيكون له منها ولد القول في تأويل قوله تعالى : وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يقول تعالى ذكره : والله خلق كل شيء ولا خالق سواه ، وكل ما تدعون أيها العادلون بالله الأوثان من دونه خلقه وعبيده ، ملكا كان الذي تدعونه ربا وتزعمون أنه له ولد أو جنيا أو إنسيا . وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يقول :