محمد بن جرير الطبري
187
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الضحاك يقول في قوله : فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يقول : خالق الحب والنوى ، يعني : كل حبة . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي ما قدمنا القول به ، وذلك أن الله جل ثناؤه أتبع ذلك بإخباره عن إخراجه الحي من الميت والميت من الحي ، فكان معلوما بذلك أنه إنما عنى بإخباره عن نفسه أنه فالق الحب عن النبات والنوى عن الغروس والأشجار ، كما هو مخرج الحي من الميت والميت من الحي . وأما القول الذي حكي عن الضحاك في معنى فالق أنه خالق ، فقول إن لم يكن أراد به أنه خالق منه النبات والغروس بفلقه إياه ، لا أعرف له وجها ، لأنه لا يعرف في كلام العرب فلق الله الشيء بمعنى : خلق . القول في تأويل قوله تعالى : يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ يقول تعالى ذكره : يخرج السنبل الحي من الحب الميت ، ومخرج الحب الميت من السنبل الحي ، والشجر الحي من النوى الميت ، والنوى الميت من الشجر الحي . والشجر ما دام قائما على أصوله لم يجف والنبات على ساقه لم ييبس ، فإن العرب تسميه حيا ، فإذا يبس وجف أو قطع من أصله سموه ميتا . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل . ذكر من قال ذلك . حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، أما : يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ فيخرج السنبلة الحية من الحبة الميتة ، ويخرج الحبة الميتة من السنبلة الحية ، ويخرج النخلة الحية من النواة الميتة ، ويخرج النواة الميتة من النخلة الحية . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن سفيان ، عن السدي ، عن أبي مالك : يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ قال : النخلة من النواة والنواة من النخلة ، والحبة من السنبلة والسنبلة من الحبة . وقال آخرون بما : حدثني به المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : قوله : اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ قال : يخرج النطفة الميتة من الحي ، ثم يخرج من النطفة بشرا حيا . وإنما اخترنا التأويل الذي اخترنا في ذلك ، لأنه عقيب قوله : إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى على أن قوله : يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ وإن كان خبرا من الله عن إخراجه من الحب السنبل ومن السنبل الحب ، فإنه داخل في عمومه ما روي عن ابن عباس في تأويل ذلك ؛ وكل ميت أخرجه الله من جسم حي ، وكل حي أخرجه الله من جسم ميت . وأما قوله : ذلِكُمُ اللَّهُ فإنه يقول : فاعل ذلك كله الله جل جلاله . فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ يقول : فأي وجوه الصد عن الحق أيها الجاهلون تصدون عن الصواب وتصرفون ، أفلا تتدبرون فتعلمون أنه لا ينبغي أن يجعل لمن أنعم عليكم بفلق الحب والنوى ، فأخرج لكم من يابس الحب والنوى زروعا وحروثا وثمارا تتغذون ببعضه وتفكهون ببعضه ، شريك في عبادته ما لا يضر ولا ينفع ولا يسمع ولا يبصر ؟ القول في تأويل قوله تعالى : فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً يعني بقوله : فالِقُ الْإِصْباحِ شاق عمود الصبح عن ظلمة الليل وسواده . والإصباح : مصدر من قول القائل : أصبحنا إصباحا . وبنحو ما قلنا في ذلك قال عامة أهل التأويل . ذكر من قال ذلك . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا المحاربي ، عن جويبر ، عن الضحاك فالِقُ الْإِصْباحِ قال : إضاءة الصبح . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : فالِقُ الْإِصْباحِ قال : إضاءة