محمد بن جرير الطبري
179
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
يبدونها ويخفون كثيرا " : اليهود . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عكرمة : قُلْ يا محمد " من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس يجعلونه قراطيس يبدونها " يعني يهود لما أظهروا من التوراة . وَتُخْفُونَ كَثِيراً مما أخفوا من ذكر محمد صلى الله عليه وسلم وما أنزل عليه قال ابن جريج : وقال عبد الله بن كثير : إنه سمع مجاهد ا يقول : " يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيرا " قال : هم يهود الذين يبدونها ويخفون كثيرا . القول في تأويل قوله تعالى : وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ . يقول تعالى ذكره : وعلمكم الله جل ثناؤه الكتاب الذي أنزله إليكم ما لم تعلموا أنتم من أخبار من قبلكم ومن أنباء من بعدكم وما هو كائن في معادكم يوم القيامة ، وَلا آباؤُكُمْ يقول : ولم يعلمه آباؤكم أيها المؤمنون بالله من العرب وبرسوله صلى الله عليه وسلم . كالذي : حدثني المثني ، قال : ثنا الحجاج بن المنهال ، قال : ثنا حماد ، عن أيوب ، عن مجاهد : وَعُلِّمْتُمْ معشر العرب ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال عبد الله بن كثير : إنه سمع مجاهد أيقول في قوله : وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ قال : هذه للمسلمين . وأما قوله : قُلِ اللَّهُ فإنه أمر من الله جل ثناؤه نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يجيب استفهامه هؤلاء المشركين عما أمره باستفهامهم عنه بقوله : قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً بقيل : الله ، كأمره إياه في موضع آخر في هذه السورة بقوله : قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فأمره باستفهام المشركين عن ذلك ، كما أمره باستفهامهم إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ عمن أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس . ثم أمره بالإجابة عنه هنا لك بقيله : قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ كما أمره بالإجابة هاهنا عن ذلك بقيله : الله أنزله على موسى . كما : حدثني المثني ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ قال : الله أنزله . ولو قيل : معناه : " قل هو الله " على وجه الأمر من الله له بالخبر عن ذلك لا على وجه الجواب إذ لم يكن قوله : قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ مسألة من المشركين لمحمد صلى الله عليه وسلم ، فيكون قوله : قُلِ اللَّهُ جوابا لهم عن مسألتهم ، فإنما هو أمر من الله لمحمد بمسألة القوم : من أنزل الكتاب ، فيجب أن يكون الجواب منهم غير الذي قاله ابن عباس من تأويله كان جائزا من أجل أنه استفهام ، ولا يكون للاستفهام جواب ؛ وهو الذي اخترنا من القول في ذلك لما بينا . وأما قوله : ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ فإنه يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ثم ذر هؤلاء المشركين العادلين بربهم الأوثان والأصنام بعد احتجاجك عليهم في قيلهم ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ بقولك مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ وإجابتك ذلك بأن الذي أنزله الله الذي أنزل عليك كتابه فِي خَوْضِهِمْ يعني : فيما يخوضون فيه من باطلهم وكفرهم بالله وآياته ، يَلْعَبُونَ يقول : يستهزءون ويسخرون . وهذا من الله وعيد لهؤلاء المشركين وتهديد لهم ؛ يقول الله جل ثناؤه : ثم دعهم لاعبين يا محمد ، فإني من وراء