محمد بن جرير الطبري
180
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ما هم فيه من استهزائهم بآياتي بالمرصاد وأذيقهم بأسي ، وأحل بهم إن تمادوا في غيهم سخطي . القول في تأويل قوله تعالى : وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها يقول تعالى ذكره : وَهذا القرآن يا محمد كِتابٌ وهو اسم من أسماء القرآن قد بينته وبينت معناه فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته . ومعناه : مكتوب ، فوضع الكتاب مكان المكتوب . أَنْزَلْناهُ يقول : أوحيناه إليك ، مُبارَكٌ وهو مفاعل من البركة ، مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ يقول : صدق هذا الكتاب ما قبله من كتب الله التي أنزلها على أنبيائه قبلك ، لم يخالفها ولا بنبأ ، وهو معنى " نورا وهدى للناس " ، يقول : هو الذي أنزل إليك يا محمد هذا الكتاب مباركا مصدقا كتاب موسى وعيسى وغير ذلك من كتب الله ، ولكنه جل ثناؤه ابتدأ الخبر عنه ، إذ كان قد تقدم الخبر عن ذلك ما يدل على أنه به متصل ، فقال : وهذا كتاب أنزلناه إليك مبارك ، ومعناه : وكذلك أنزلت إليك كتابي هذا مباركا ، كالذي أنزلت من التوراة إلى موسى هدى ونورا . وأما قوله : وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها فإنه يقول : أنزلنا إليك يا محمد هذا الكتاب مصدقا ما قبله من الكتب ، ولتنذر به عذاب الله وبأسه من في أم القرى وهي مكة ومن حولها شرقا وغربا من العادلين بربهم غيره من الآلهة والأنداد ، والجاحدين برسله وغيرهم من أصناف الكفار . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثني ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قوله : وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها يعنى بأم القرى : مكة ومن حولها من القرى إلى المشرق والمغرب . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وأم القرى : مكة ، ومن حولها : الأرض كلها . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، قال : ثنا معمر ، عن قتادة : وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى قال : هي مكة . وبه عن معمر ، عن قتادة ، قال : بلغني أن الأرض دحيت من مكة . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها كنا نحدث أن أم القرى : مكة ، وكنا نحدث أن منها دحيت الأرض . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها أما أم القرى : فهي مكة . وإنما سميت أم القرى ، لأنها أول بيت وضع بها . وقد بينا فيما مضى العلة التي من أجلها سميت مكة أم القرى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . القول في تأويل قوله تعالى : وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ يقول تعالى ذكره : ومن كان يؤمن بقيام الساعة والمعاد في الآخرة إلى الله ويصدق بالثواب والعقاب ، فإنه يؤمن بهذا الكتاب الذي أنزلناه إليك يا محمد ويصدق به ويقر بأن الله أنزله ، ويحافظ على الصلوات المكتوبات التي أمره الله بإقامتها ؛ لأنه منذر من بلغه وعيد الله على الكفر به وعلى معاصيه ، وإنما يجحد به وبما فيه ويكذب أهل التكذيب بالمعاد والجحود لقيام الساعة ، لأنه لا يرجو من الله إن عمل بما فيه ثوابا ، ولا يخاف إن لم يجتنب ما يأمره باجتنابه عقابا . القول في تأويل قوله تعالى : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً