محمد بن جرير الطبري

163

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

رأى خلقا هو أكبر من الخلقين الأولين وأنور . وكان سبب قيل إبراهيم ذلك ، ما : حدثني به محمد بن حميد ، قال : ثنا سلمة بن الفضل ، قال : ثني محمد بن إسحاق ، فيما ذكر لنا والله أعلم : أن آزر كان رجلا من أهل كوثي من قرية بالسواد سواد الكوفة ، وكان إذ ذاك ملك المشرق لنمرود بن كنعان ؛ فلما أراد الله أن يبعث إبراهيم حجة على قومه ورسولا إلى عباده ، ولم يكن فيما بين نوح وإبراهيم نبي إلا هود وصالح ؛ فلما تقارب زمان إبراهيم الذي أراد الله ما أراد ، أتى أصحاب النجوم نمرود ، فقالوا له : تعلم أنا نجد في علمنا أن غلاما يولد في قريتك هذه يقال له إبراهيم ، يفارق دينكم ويكسر أوثانكم في شهر كذا وكذا من سنة كذا وكذا . فلما دخلت السنة التي وصف أصحاب النجوم لنمرود ، بعث نمرود إلى كل امرأة حبلى بقريته ، فحبسها عنده ، إلا ما كان من أم إبراهيم امرأة آزر ، فإنه لم يعلم بحبلها ، وذلك أنها كانت امرأة حدثة فيما يذكر لم يعرف الحبل في بطنها . ولما أراد الله أن يبلغ بولدها أراد أن يقتل كل غلام ولد في ذلك الشهر من تلك السنة حذرا على ملكه ، فجعل لا تلد امرأة غلاما في ذلك الشهر من تلك السنة إلا أمر به فذبح ؛ فلما وجدت أم إبراهيم الطلق ، خرجت ليلا إلى مغارة كانت قريبا منها ، فولدت فيها إبراهيم ، وأصلحت من شأنه ما يصنع مع المولود ، ثم سدت عليه المغارة ، ثم رجعت إلى بيتها . ثم كانت تطالعه في المغارة ، فتنظر ما فعل ، فتجده حيا يمص إبهامه ، يزعمون والله أعلم أن الله جعل رزق إبراهيم فيها وما يجيئه من مصه . وكان آزر فيما يزعمون ، سأل أم إبراهيم عن حملها ما فعل ؟ فقالت : ولدت غلاما فمات . فصدقها ، فسكت عنها . وكان اليوم فيما يذكرون على إبراهيم في الشباب كالشهر والشهر كالسنة ، فلم يلبث إبراهيم في المغارة إلا خمسة عشر شهرا ، حتى قال لأمه : أخرجيني أنظر فأخرجته عشاء ، فنظر وتفكر في خلق السماوات والأرض ، وقال : إن الذي خلقني ورزقني وأطعمني وسقاني لربي ، ما لي إله غيره ثم نظر في السماء فرأى كوكبا ، قال : هذا ربي ثم أتبعه ينظر إليه ببصره ، حتى غاب ، فلما أفل قال : لا أحب الآفلين ثم طلع القمر فرآه بازغا ، قال : هذا ربي ثم أتبعه بصره حتى غاب ، فلما أفل قال : لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين فلما دخل عليه النهار وطلعت الشمس ، أعظم الشمس ، ورأى شيئا هو أعظم نورا من كل شيء رآه قبل ذلك ، فقال : هذا ربي ، هذا أكبر فلما أفلت قال : يا قوم إني برئ مما تشركون ، إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين . ثم رجع إبراهيم إلى أبيه آزر وقد استقامت وجهته وعرف ربه وبرئ من دين قومه ، إلا أنه لم يبادئهم بذلك . وأخبر أنه ابنه ، وأخبرته أم إبراهيم أنه ابنه ، وأخبرته بما كانت صنعت من شأنه ، فسر بذلك آزر وفرح فرحا شديدا . وكان آزر يصنع أصنام قومه التي يعبدونها ، ثم يعطيها إبراهيم يبيعها ، فيذهب بها إبراهيم فيما يذكرون ، فيقول : من يشتري ما يضره ولا ينفعه ؟ فلا يشتريها منه أحد ، وإذا بارت عليه ، ذهب بها إلى نهر فضرب فيه رءوسها ، وقال : اشربي استهزاء بقومه وما هم عليه من الضلالة ؛ حتى فشا عيبه إياها واستهزاؤه بها في قومه وأهل قريته ، من غير أن يكون ذلك بلغ نمرود الملك . وأنكر قوم من غير أهل الرواية هذا القول الذي روي عن ابن عباس ، وعمن روي عنه من أن إبراهيم قال للكوكب أو للقمر : هذا ربي ؛ وقالوا : غير جائز أن يكون لله نبي ابتعثه بالرسالة أتى