محمد بن جرير الطبري
164
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
عليه وقت من الأوقات وهو بالغ إلا وهو لله موحد وبه عارف ومن كل ما يعبد من دونه برئ . قالوا : ولو جاز أن يكون قد أتى عليه بعض الأوقات وهو به كافر لم يجز أن يختصه بالرسالة ، لأنه لا معنى فيه إلا وفي غيره من أهل الكفر به مثله ، وليس بين الله وبين أحد من خلقه مناسبة فيحابيه باختصاصه بالكرامة . قالوا : وإنما أكرم من أكرم منهم لفضله في نفسه ، فأثابه لاستحقاقه الثواب بما أثابه من الكرامة . وزعموا أن خبر الله عن قيل إبراهيم عند رؤيته الكوكب أو القمر أو الشمس : " هذا ربي " ، لم يكن لجهله بأن ذلك غير جائز أن يكون ربه ؛ وإنما قال ذلك على وجه الإنكار منه أن يكون ذلك ربه ، وعلى العيب لقومه في عبادتهم الأصنام ، إذ كان الكوكب والقمر والشمس أضوأ وأحسن وأبهج من الأصنام ، ولم تكن مع ذلك معبودة ، وكانت آفلة زائلة غير دائمة ، والأصنام التي دونها في الحسن وأصغر منها في الجسم ، أحق أن لا تكون معبودة ولا آلهة . قالوا : وإنما قال ذلك لهم معارضة ، كما يقول أحد المتناظرين لصاحبه معارضا له في قول باطل قال به بباطل من القول على وجه مطالبته إياه بالفرقان بين القولين الفاسدين عنده اللذين يصحح خصمه أحدهما ويدعي فساد الآخر . وقال آخرون منهم : بل ذلك كان منه في حال طفوليته وقبل قيام الحجة عليه ، وتلك حال لا يكون فيها كفر ولا إيمان . وقال آخرون منهم : وإنما معنى الكلام : أهذا ربي على وجه الإنكار والتوبيخ ؛ أي ليس هذا ربي . وقالوا : قد تفعل العرب مثل ذلك ، فتحذف الألف التي تدل على معنى الاستفهام . وزعموا أن من ذلك قول الشاعر : رفوني وقالوا يا خويلد لا ترع * فقلت وأنكرت الوجوه هم هم يعني : " أهم هم " ؟ قالوا : ومن ذلك قول أوس : لعمرك ما أدري وإن كنت داريا * شعيث بن سهم أم شعيث ابن منقر بمعنى : أشعيث بن سهم ؟ فحذف الألف . ونظائر ذلك . وأما تذكير " هذا " في قوله : فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي فإنما هو على معنى : هذا الشيء الطالع ربي . وفي خبر الله تعالى عن قيل إبراهيم حين أفل القمر : لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ الدليل على خطأ هذه الأقوال التي قالها هؤلاء القوم . وأن الصواب من القول في ذلك : الإقرار بخبر الله تعالى الذي أخبر به عنه والإعراض عما عداه . وأما قوله فَلَمَّا أَفَلَ فإن معناه : فلما غاب وذهب . كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة بن الفضل ، قال : قال ابن إسحاق : الأفول : الذهاب يقال منه : أفل النجم يأفل ويأفل أفولا وأفلا : إذا غاب ؛ ومنه قول ذي الرمة : مصابيح ليست باللواتي يقودها * نجوم ولا بالآفلات الدوالك ويقال : أين أفلت عنا ؟ بمعنى : أين غبت عنا . القول في تأويل قوله تعالى : فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ يقول تعالى ذكره فلما طلع القمر فرآه إبراهيم طالعا ؛ وهو بزوغه ، يقال منه : بزغت الشمس تبزغ بزوغا إذا طلعت ، وكذلك القمر . قالَ هذا