محمد بن جرير الطبري
162
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
عبادتهم واتخاذهم آلهة دون الله تعالى . وكان ابن عباس يقول في تأويل ذلك ، ما : حدثني به محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ أنه جلى له الأمر سره وعلانيته ، فلم يخف عليه شيء من أعمال الخلائق ؛ فلما جعل يلعن أصحاب الذنوب ، قال الله : إنك لا تستطيع هذا ، فرده الله كما كان قبل ذلك . فتأويل ذلك على هذا التأويل : أريناه ملكوت السماوات والأرض ، ليكون ممن يوقن علم كل شيء حسا لا خبرا . حدثني العباس بن الوليد ، قال : أخبرني أبي ، قال : ثنا أبو جابر ، قال : وحدثنا الأوزاعي أيضا قال : ثني خالد بن اللجلاج ، قال : سمعت عبد الرحمن بن عياش يقول : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات غداة ، فقال له قائل : ما رأيت أسعد منك الغداة قال : " ومالي وقد أتاني ربي في أحسن صورة ، فقال : ففيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد ؟ قلت : أنت أعلم فوضع يده بين كتفي ، فعلمت ما في السماوات والأرض " . ثم تلا هذه الآية : وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ . القول في تأويل قوله تعالى : فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ يقول تعالى ذكره : فلما واراه الليل وجنه ، يقال منه : جن عليه الليل ، وجنه الليل ، وأجنه ، وأجن عليه وإذا ألقيت " على " كان الكلام بالألف أفصح منه بغير الألف ، " أجنه الليل " أفصح من " أجن عليه " ، و " جن عليه الليل " أفصح من " جنه " ، وكل ذلك مقبول مسموع من العرب . وجنه الليل في أسد وأجنه وجنه في تميم ، والمصدر من جن عليه جنا وجنونا وجنانا ، ومن أجن إجنانا ، ويقال : أتى فلان في جن الليل ، والجن من ذلك ، لأنهم استجنوا عن أعين بني آدم فلا يرون ؛ وكل ما توارى عن أبصار الناس فإن العرب تقول فيه : قد جن ؛ ومنه قول الهذلي : وماء وردت قبيل الكرى * وقد جنه السدف الأدهم وقال عبيد : وخرق تصيح البوم فيه مع الصدى * مخوف إذا ما جنه الليل مرهب ومنه : أجننت الميت : إذا واريته في اللحد ، وجننته . وهو نظير جنون الليل في معنى : غطيته . ومنه قيل للترس : مجن ، لأنه يجن من استجن به فيغطيه ويواريه . وقوله : رَأى كَوْكَباً يقول : أبصر كوكبا حين طلع ؛ قالَ هذا رَبِّي . فروي عن ابن عباس في ذلك ، ما : حدثني به المثني ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قوله : وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ يعني به : الشمس والقمر والنجوم . فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فعبده حتى غاب ، فلما غاب قال : لا أحب الآفلين ؛ فلما رأى القمر بازغا قال : هذا ربي فعبده حتى غاب ؛ فلما غاب قال : لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين . فلما رأى الشمس بازغة قال : هذا ربي ، هذا أكبر فعبدها حتى غابت ؛ فلما غابت قال : يا قوم إني بريء مما تشركون . حدثني بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ علم أن ربه دائم لا يزول ؛ فقرأ حتى بلغ : هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ