محمد بن جرير الطبري

159

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

اسمه تارح ، واسم الصنم آزر ؛ يقول : أتتخذ آزر أصناما آلهة . وقال آخرون : هو سب وعيب بكلامهم ، ومعناه : معوج . كأنه تأول أنه عابه بزيغه واعوجاجه عن الحق . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء الأمصار : وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ بفتح " آزر " على اتباعه الأب في الخفض ، ولكنه لما كان اسما أعجميا فتحوه إذ لم يجروه وإن كان في موضع خفض . وذكر عن أبي زيد المديني والحسن البصري أنهما كانا يقرآن ذلك : " آزر " ، بالرفع على النداء ، بمعنى : " يا آزر " . فأما الذي ذكر عن السدي من حكايته أن آزر اسم صنم ، وإنما نصبه بمعنى : " أتتخذ آزر أصناما آلهة ، فقول من الصواب من جهة العربية بعيد ؛ وذلك أن العرب لا تنصب اسما بفعل بعد حرف الاستفهام ، لا تقول : أخاك أكلمت ، وهي تريد : أكلمت أخاك . والصواب من القراءة في ذلك عندي ، قراءة من قرأ بفتح الراء من " آزر " ، على اتباعه إعراب " الأب " ، وأنه في موضع خفض ، ففتح إذ لم يكن جاريا لأنه اسم عجمي . وإنما أجيزت قراءة ذلك كذلك لإجماع الحجة من القراء عليه . وإذ كان ذلك هو الصواب من القراءة وكان غير جائز أن يكون منصوبا بالفعل الذي بعد حرف الاستفهام ، صح لك فتحه من أحد وجهين : إما أن يكون اسما لأبي إبراهيم صلوات الله عليه وعلى جميع أنبيائه ورسله ، فيكون في موضع خفض ردا على الأب ، ولكنه فتح لما ذكرت من أنه لما كان اسما أعجميا ترك إجراؤه ، ففتح كما فتح العرب في أسماء العجم . أو يكون نعتا له ، فيكون أيضا خفضا بمعنى تكرير اللام عليه ، ولكنه لما خرج مخرج أحمر وأسود ترك إجراؤه وفعل به كما يفعل بأشكاله . فيكون تأويل الكلام حينئذ : وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر : أتتخذ أصناما آلهة ؟ وإن لم يكون له وجهة في الصواب إلا أحد هذين الوجهين ، فأولى القولين بالصواب منهما عندي ، قول من قال : هو اسم أبيه ؛ لأن الله تعالى أخبر أنه أبوه . وهو القول المحفوظ من قول أهل العلم دون القول الآخر الذي زعم قائله أنه نعت . فإن قال قائل : فإن أهل الأنساب إنما ينسبون إبراهيم إلى تارح ، فكيف يكون آزر اسما له والمعروف به من الاسم تارح ؟ قيل له : غير محال أن يكون له اسمان ، كما لكثير من الناس في دهرنا هذا ، وكان ذلك فيما مضى لكثير منهم . وجائز أن يكون لقبا ، والله تعالى أعلم . القول في تأويل قوله تعالى : أَ تَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ . وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن قيل إبراهيم لأبيه آزر أنه قال : أتتخذ أصناما آلهة تعبدها وتتخذها ربا دون الله الذي خلقك فسواك ورزقك والأصنام : جمع صنم ، التمثال من حجر أو خشب أو من غير ذلك في صورة إنسان ، وهو الوثن . وقد يقال للصورة المصورة على صورة الإنسان في الحائط غيره : صنم ووثن . إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ يقول : إني أراك يا آزر وقومك الذين يعبدون معك الأصنام ويتخذونها آلهة فِي ضَلالٍ يقول : في زوال عن محجة الحق ، وعدول عن سبيل الصواب ؛ مُبِينٍ يقول : يتبين لمن أبصره أنه جور عن قصد السبيل وزوال عن محجة الطريق القويم . يعني بذلك : أنه قد ضل هو وهم عن توحيد الله وعبادته الذي استوجب عليهم إخلاص العبادة له بآلائه عندهم ، دون غيره من الآلهة والأوثان . القول في تأويل قوله تعالى : وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ