محمد بن جرير الطبري

142

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ قال : كان ابن مسعود يصيح وهو في المجلس أو على المنبر : ألا أيها الناس إنه نزل بكم ، إن الله يقول : قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ لو جاءكم عذاب من السماء لم يبق منكم أحدا ، أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ لو خسف بكم الأرض أهلككم ولم يبق منكم أحدا ، أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ألا إنه نزل بكم أسوأ الثلاث . وقال آخرون : عنى بالعذاب من فوقكم : أئمة السوء ، أو من تحت أرجلكم : الخدم وسفلة الناس . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : سمعت خلادا يقول : سمعت عامر بن عبد الرحمن يقول : إن ابن عباس كان يقول في هذه : قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ فأما العذاب من فوقكم : فأئمة السوء . وأما العذاب من تحت أرجلكم : فخدم السوء . حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ يعني : من أمرائكم ، أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ يعني : سفلتكم . وأولى التأويلين في ذلك بالصواب عندي قول من قال : عنى بالعذاب من فوقهم الرجم أو الطوفان وما أشبه ذلك مما ينزل عليهم من فوق رؤوسهم ، ومن تحت أرجلهم : الخسف وما أشبهه . وذلك أن المعروف في كلام العرب من معنى " فوق " و " تحت " الأرجل ، هو ذلك دون غيره ، وإن كان لما روي عن ابن عباس في ذلك وجه صحيح ، غير أن الكلام إذا تنوزع في تأويله فحمله على الأغلب الأشهر من معناه أحق وأولى من غيره ما لم يأت حجة مانعة من ذلك يجب التسليم لها . القول في تأويل قوله تعالى : أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ يقول تعالى ذكره : أو يخلطكم شيعا : فرقا ، واحدتها شيعة ، وأما قوله : يَلْبِسَكُمْ فهو من قولك : لبست عليه الأمر ، إذا خلطت ، فأنا ألبسه . وإنما قلت إن ذلك كذلك ، لأنه لا خلاف بين القراء في ذلك بكسر الباء ، ففي ذلك دليل بين على أنه من لبس يلبس ، وذلك هو معنى الخلط . وإنما عنى بذلك يلبسكم : أو يخلطكم أهواء مختلفة وأحزابا مفترقة . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبو أسامة ، عن شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً الأهواء المفترقة حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، : أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً قال : يفرق بينكم حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً قال : ما كان منكم من التفرق والاختلاف . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً قال : الذي فيه الناس اليوم من الاختلاف والأهواء وسفك دماء بعضهم بعضا . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً قال : الأهواء والاختلاف . حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً يعني بالشيع : الأهواء المختلفة . وأما قوله : وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ فإنه يعني : يقتل بعضكم بيد بعض ، والعرب تقول للرجل ينال الرجل بسلاح فيقتله