محمد بن جرير الطبري

134

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

العزيز ، قال : ثنا بكر بن خنيس ، عن ليث ، عن مجاهد ، في قوله : مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ قال : كل من عمل بخطيئة فهو بها جاهل . حدثني الحرث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا خالد بن دينار أبو خلدة ، قال : كنا إذا دخلنا على أبي العالية قال : وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ . القول في تأويل قوله تعالى : وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ يعني تعالى ذكره بقوله : وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وكما فصلنا لك في هذه السورة من ابتدائها وفاتحتها يا محمد إلى هذا الموضع حجتنا على المشركين من عبدة الأوثان وأدلتنا ، وميزناها لك وبيناها ، كذلك نفصل لك أعلامنا وأدلتنا في كل حق ينكره أهل الباطل من سائر أهل الملل غيرهم ، فنبينها لك حتى تبين حقه من باطله وصحيحه من سقيمه . واختلفت القراء في قراءة قوله : وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ فقرأ ذلك عامة قراء أهل المدينة : وَلِتَسْتَبِينَ بالتاء " سبيل المجرمين " بنصب السبيل ، على أن " تستبين " خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ؛ كأن معناه عندهم : ولتستبين أنت يا محمد سبيل المجرمين . وكان ابن زيد يتأول ذلك : ولتستبين أنت يا محمد سبيل المجرمين الذين سألوك طرد النفر الذين سألوه طردهم عنه من أصحابه . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن ريد : " ولتستبين سبيل المجرمين " قال : الذين يأمرونك بطرد هؤلاء . وقرأ ذلك بعض المكيين وبعض البصريين : وَلِتَسْتَبِينَ بالتاء سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ برفع السبيل على أن القصد للسبيل ، ولكنه يؤنثها . وكأن معنى الكلام عندهم : وكذلك نفصل الآيات ولتتضح لك وللمؤمنين طريق المجرمين . وقرأ ذلك عامة قراء أهل الكوفة : " وليستبين " بالياء سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ برفع السبيل على أن الفعل للسبيل ولكنهم يذكرونه . ومعنى هؤلاء في هذا الكلام ، ومعنى من قرأ ذلك بالتاء في : وَلِتَسْتَبِينَ ورفع السبيل واحد ، وإنما الاختلاف بينهم في تذكير السبيل وتأنيثها . وأولى القراءتين بالصواب عندي في " السبيل " الرفع ، لأن الله تعالى ذكره فصل آياته في كتابه وتنزيله ، ليتبين الحق بها من الباطل جميع من خوطب بها ، لا بعض دون بعض . ومن قرأ " السبيل " بالنصب ، فإنما جعل تبيين ذلك محصورا على النبي صلى الله عليه وسلم . وأما القراءة في قوله : وَلِتَسْتَبِينَ فسواء قرئت بالتاء أو بالياء ، لأن من العرب من يذكر السبيل وهم تميم وأهل نجد ، ومنهم من يؤنث السبيل وهم أهل الحجاز ، وهما قراءتان مستفيضتان في قراء الأمصار ولغتان مشهورتان من لغات العرب ، وليس في قراءة ذلك بإحداهما خلاف لقراءته بالأخرى ولا وجه لاختيار إحداهما على الأخرى بعد أن يرفع السبيل للعلة التي ذكرنا . وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله : نُفَصِّلُ الْآياتِ قال أهل التأويل . حدثني المثني ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة : وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ نبين الآيات . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في : نُفَصِّلُ الْآياتِ نبين . القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد لهؤلاء المشركين بربهم من قومك ، العادلين به الأوثان