محمد بن جرير الطبري

135

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

والأنداد ، الذين يدعونك إلى موافقتهم على دينهم وعبادة الأوثان : إن الله نهاني أن أعبد الذين تدعون من دونه ، فلن أتبعكم على ما تدعونني إليه من ذلك ولا أوافقكم عليه ، ولا أعطيكم محبتكم وهواكم فيه ، وإن فعلت ذلك فقد تركت محجة الحق وسلكت على غير الهدى ، فصرت ضالا مثلكم على غير استقامة . وللعرب في " ضللت " لغتان : فتح اللام وكسرها ، واللغة الفصيحة المشهورة هي فتحها ، وبها قرأ عامة قراء الأمصار ، وبها نقرأ لشهرتها في العرب ؛ وأما الكسر فليس بالغالب في كلامها والقراء بها قليلون ، فمن قال ضللت قال أضل ، ومن قال ضللت قال في المستقبل أضل ، وكذلك القراءة عندنا في سائر القرآن : وَقالُوا أَ إِذا ضَلَلْنا بفتح اللام . القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم : قُلْ يا محمد لهؤلاء العادلين بربهم ، الداعين لك إلى الإشراك بربك : إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي أي إني على بيان قد تبينته وبرهان قد وضح لي من ربي ، يقول : من توحيده ، وما أنا عليه من إخلاص عبوديته من غير إشراك شيء به . وكذلك تقول العرب : فلان على بينة من هذا الأمر : إذا كان على بيان منه ، ومن ذلك قول الشاعر : أبينة تبغون بعد اعترافه * وقول سويد قد كفيتكم بشرا وَكَذَّبْتُمْ بِهِ يقول : وكذبتم أنتم بربكم . والهاء في قوله " به " من ذكر الرب جل وعز . ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ يقول : ما الذي تستعجلون من نقم الله وعذابه بيدي ، ولا أنا على ذلك بقادر . وذلك أنهم قالوا حين بعث الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بتوحيده ، فدعاهم إلى الله وأخبرهم أنه رسوله إليهم : هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَ فَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ وقالوا للقرآن : هو أضغاث أحلام . وقال بعضهم : بل هو اختلاق اختلقه . وقال آخرون : بل محمد شاعر ، فليأتنا بآية كما أرسل الأولون فقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم : أجبهم بأن الآيات بيد الله لا بيدك ، وإنما أنت رسول ، وليس عليك إلا البلاغ لما أرسلت به ، وإن الله يقضي الحق فيهم وفيك ويفصل به بينك وبينهم فيتبين المحق منكم والمبطل . وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ أي وهو خير من بين وميز بين المحق والمبطل وأعدلهم ، لأنه لا يقع في حكمه وقضائه حيف إلى أحد لوسيلة له إليه ولا لقرابة ولا مناسبة ، ولا في قضائه جور ؛ لأنه لا يأخذ الرشوة في الأحكام فيجور ، فهو أعدل الحكام وخير الفاصلين . وقد ذكر لنا في قراءة عبد الله : " وهو أسرع الفاصلين " . حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير أنه قال : في قراءة عبد الله : " يقضي الحق وهو أسرع الفاصلين " . واختلفت القراء في قراءة قوله : " يقضي الحق " فقرأه عامة قراء الحجاز والمدينة وبعض قراء أهل الكوفة والبصرة : إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ بالصاد بمعنى القصص ، وتأولوا في ذلك قول الله تعالى : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ . وذكر ذلك عن ابن عباس . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، قال : يَقُصُّ الْحَقَّ وقال : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ . وقرأ ذلك جماعة من قراء الكوفة والبصرة : " إن الحكم إلا لله يقضي الحق " بالضاد من القضاء بمعنى الحكم والفصل بالقضاء .