محمد بن جرير الطبري

133

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

أن يبشرهم بأن قد غفر لهم خطيئتهم التي سلفت منهم بمشورتهم على النبي صلى الله عليه وسلم بطرد القوم الذين أشاروا عليه بطردهم . وذلك قول عكرمة وعبد الرحمن بن زيد ، وقد ذكرنا الرواية عنهما بذلك قبل . وأولى الأقوال في ذلك عندي بتأويل الآية ، قول من قال : المعنيون بقوله : وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ غير الذين نهى الله النبي صلى الله عليه وسلم عن طردهم ، لأن قوله : وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا خبر مستأنف بعد تقضي الخبر عن الذين نهى الله نبيه صلى الله عليه وسلم عن طردهم ، ولو كانوا هم لقيل : " وإذا جاءوك فقل سلام عليكم " ، وفي ابتداء الله الخبر عن قصة هؤلاء وتركه وصل الكلام بالخبر عن الأولين ما ينبئ عن أنهم غيرهم . فتأويل الكلام إذ كان الأمر على ما وصفنا : وإذا جاءك يا محمد القوم الذين يصدقون بتنزيلنا وأدلتنا وحججنا فيقرون بذلك قولا وعملا ، مسترشديك عن ذنوبهم التي سلفت منهم بيني وبينهم ، هل لهم منها توبة ؟ فلا تؤيسهم منها ، وقل لهم : سلام عليكم : أمنة الله لكم من ذنوبكم أن يعاقبكم عليها بعد توبتكم منها ، كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ يقول : قضى ربكم الرحمة بخلقه ، أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء المدنيين : أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً فيجعلون " أن " منصوبة على الترجمة بها عن الرحمة ، " ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفور رحيم " على ائتناف " إنه " بعد الفاء فيكسرونها ويجعلونها أداة لا موضع لها ، بمعنى : فهو له غفور رحيم ، أو فله المغفرة والرحمة . وقرأهما بعض الكوفيين بفتح الألف منهما جميعا ، بمعنى : كتب ربكم على نفسه الرحمة ، ثم ترجم بقوله : أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ عن الرحمة فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ فيعطف " فإنه " الثانية على " أنه " الأولى ، ويجعلهما اسمين منصوبين على ما بينت . وقرأ ذلك بعض المكيين وعامة قراء أهل العراق من الكوفة والبصرة بكسر الألف من " إنه " و " فإنه " على الابتداء ، وعلى أنهما أداتان لا موضع لهما . وأولى القراءات في ذلك عندي بالصواب ، قراءة من قرأهما بالكسر : " كتب ربكم على نفسه الرحمة إنه " على ابتداء الكلام ، وأن الخبر قد انتهى عند قوله : كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ثم استؤنف الخبر عما هو فاعل تعالى ذكره بمن عمل سوءا بجهالة ثم تاب وأصلح منه . ومعنى قوله : أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ أنه من اقترف منكم ذنبا ، فجهل باقترافه إياه . ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ لذنبه إذا تاب وأناب وراجع العمل بطاعة الله وترك العود إلى مثله مع الندم على ما فرط منه . رَحِيمٌ بالتائب أن يعاقبه على ذنبه بعد توبته منه . وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال جماعة من أهل التأويل : ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبو خالد الأحمر ، عن عثمان ، عن مجاهد : مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ قال : من جهل أنه لا يعلم حلالا من حرام ، ومن جهالته ركب الأمر . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبو خالد ، عن جويبر ، عن الضحاك ، مثله . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا جرير ، عن ليث ، عن مجاهد : يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ قال : من عمل بمعصية الله ، فذاك منه جهل حتى يرجع . حدثني الحرث ، قال : ثنا عبد