محمد بن جرير الطبري
126
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
كان يعبد غير من يستحق علينا العبادة وترك عبادة من يستحق علينا العبادة . وقد بينا معنى الجهرة في غير هذا الموضع بما أغني عن إعادته وأنها من الإجهار ، وهو إظهار الشيء للعين . كما : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : جَهْرَةً قال : وهم ينظرون . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً فجأة آمنين ، أَوْ جَهْرَةً وهم ينظرون . القول في تأويل قوله تعالى : وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ يقول تعالى ذكره : وما نرسل رسلنا إلا ببشارة أهل الطاعة لنا بالجنة والفوز المبين يوم القيامة ، جزاء منا لهم على طاعتنا ، وبإنذار من عصانا وخالف أمرنا ، عقوبتنا إياه على معصيتنا يوم القيامة ، جزاء منا على معصيتنا ، لنعذر إليه ، فيهلك إن هلك عن بينة . فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ يقول : فمن صدق من أرسلنا إليه من رسلنا إنذارهم إياه ، وقبل منهم ما جاءوه به من عند الله وعمل صالحا في الدنيا ، فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ عند قدومهم على ربهم من عقابه وعذابه الذي أعده الله لأعدائه وأهل معاصيه : وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ عند ذلك على ما خلفوا وراءهم في الدنيا . القول في تأويل قوله تعالى : وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ يقول تعالى ذكره : وأما الذين كذبوا بمن أرسلنا إليه من رسلنا وخالفوا أمرنا ونهينا ودافعوا حجتنا ، فإنهم يباشرهم عذابنا وعقابنا على تكذيبهم ما كذبوا به من حججنا ؛ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ يقول : بما كانوا يكذبون . وكان ابن زيد يقول : كل فسق في القرآن ، فمعناه الكذب . حدثني بذلك يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب عنه ابن زيد . القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَ فَلا تَتَفَكَّرُونَ يقول تعالى ذكره : قل لهؤلاء المنكرين نبوتك : لست أقول لكم إني الرب الذي له خزائن السماوات والأرض وأعلم غيوب الأشياء الخفية التي لا يعلمها إلا الرب الذي لا يخفى عليه شيء ، فتكذبوني فيم أقول من ذلك ؛ لأنه لا ينبغي أن يكون ربا إلا من له ملك كل شيء وبيده كل شيء ومن لا يخفى عليه خافية ، وذلك هو الله الذي لا إله غيره . وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ لأنه لا ينبغي لملك أن يكون ظاهرا بصورته لأبصار البشر في الدنيا ، فتجحدوا ما أقول لكم من ذلك . إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ يقول : قل لهم : ما أتبع فيما أقول لكم وأدعوكم إليه إلا وحي الله الذي يوحيه إلي وتنزيله الذي ينزله علي ، فأمضي لوحيه وأئتمر لأمره ، وقد أتيتكم بالحجج القاطعة من الله عذركم على صحة قولي في ذلك ، وليس الذي أقول من ذلك بمنكر في عقولكم ولا مستحيل كونه ؛ بل ذلك مع وجود البرهان على حقيقته هو الحكمة البالغة ، فما وجه إنكاركم ذلك ؟ وذلك تنبيه من الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم على موضع حجته على منكري نبوته من مشركي قومه . قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ يقول تعالى ذكره : قل يا محمد لهم : هل يستوي الأعمى عن الحق والبصير به ؟ والأعمى هو الكافر الذي قد عمى عن حجج الله فلا يتبينها فيتبعها . والبصير : المؤمن الذي قد أبصر آيات الله وحججه فاقتدى بها واستضاء بضيائها . أَ فَلا تَتَفَكَّرُونَ يقول لهؤلاء الذين كذبوا بآيات الله : أفلا تتفكرون فيما أحتج عليكم به أيها القوم من هذه الحجج ، فتعلموا صحة ما أقول وأدعوكم إليه من فساد ما أنتم عليه مقيمون من إشراك الأوثان والأنداد بالله ربكم وتكذيبكم إياي ، مع ظهور حجج صدقي لأعينكم ، فتدعوا ما أنتم عليه من الكفر مقيمون إلى ما أدعوكم إليه من الإيمان الذي به تفوزون ؟ وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال جماعة من أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ،