محمد بن جرير الطبري

127

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

في قول الله تعالى : قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ قال : الضال والمهتدي . حدثني المثني ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، في قوله : قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ الآية ؛ قال : الأعمى : الكافر الذي قد عمي عن حق الله وأمره ونعمه عليه ؛ والبصير : العبد المؤمن الذي أبصر بصرا نافعا ، فوحد الله وحده ، وعمل بطاعة ربه ، وانتفع بما آتاه الله . القول في تأويل قوله تعالى : وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وَأَنْذِرْ يا محمد بالقرآن الذي أنزلناه إليك القوم الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ علما منهم بأن ذلك كائن فهم مصدقون بوعد الله ووعيده ، عاملون بما يرضي الله ، دائمون في السعي فيما ينقذهم في معادهم من عذاب الله . لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ أي ليس لهم من عذاب الله إن عذبهم ولي ينصرهم فيستنقذهم منه . وَلا شَفِيعٌ يشفع لهم عند الله تعالى فيخلصهم من عقابه . لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ يقول : أنذرهم كي يتقوا الله في أنفسهم ، فيطيعوا ربهم ويعملوا لمعادهم ، ويحذروا سخطه باجتناب معاصيه . وقيل : وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا ومعناه : يعلمون أنهم يحشرون ، فوضعت " المخافة " موضع " العلم " ؛ لأن خوفهم كان من أجل علمهم بوقوع ذلك ووجوده من غير شك منهم في ذلك . وهذا أمر من الله تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بتعليم أصحابه ما أنزل الله إليه من وحيه وتذكيرهم والإقبال عليهم بالإنذار وصده عن المشركين به بعد الإعذار إليهم وبعد إقامة الحجة عليهم ، حتى يكون الله هو الحاكم في أمرهم بما يشاء من الحكم فيهم . القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ ذكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبب جماعة من ضعفاء المسلمين قال المشركون له : لو طردت هؤلاء عنك لغشيناك وحضرنا مجلسك . ذكر من قال ذلك : حدثنا هناد بن السري ، قال : ثنا أبو زيد ، عن أشعث ، عن كردوس الثعلبي ، عن ابن مسعود ، قال : مر الملأ من قريش بالنبي صلى الله عليه وسلم وعنده صهيب وعمار وبلال وخباب ونحوهم من ضعفاء المسلمين فقالوا : يا محمد رضيت بهؤلاء من قومك ، أهؤلاء الذين من الله عليهم من بيننا ، أنحن نكون تبعا لهؤلاء ؟ اطردهم عنك ، فلعلك إن طردتهم أن نتبعك فنزلت هذه الآية : وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ إلى آخر الآية . حدثنا جرير ، عن أشعث ، عن كردوس الثعلبي ، عن عبد الله ، قال : مر الملأ من قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم ذكر نحوه . حدثني أبو السائب ، قال : ثنا حفص بن غياث ، عن أشعث ، عن كردوس ، عن ابن عباس ، قال : مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم ملأ من قريش ، ثم ذكر نحوه . حدثني الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي ، قال : ثنا أبي ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، عن أبي سعيد الأزدي وكان قارئ الأزد عن أبي الكنود ، عن خباب ، في قول الله تعالى : وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ إلى قوله : فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ قال : جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري ، فوجدوا النبي صلى الله عليه وسلم قاعدا مع بلال وصهيب وعمار وخباب ، في أناس من ضعفاء المؤمنين ، فلما رأوهم حوله حقروهم ، فأتوه فقالوا : إنا نحب أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا العرب به فضلنا ، فإن وفود العرب تأتيك فنستحيي أن ترانا العرب مع هؤلاء الأعبد ، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا ، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت قال : " نعم " قالوا : فاكتب لنا عليك بذلك كتابا قال : فدعا بالصحيفة ، ودعا عليا ليكتب ، قال : ونحن قعود في ناحية ، إذ نزل جبريل بهذه الآية :