محمد بن جرير الطبري
118
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
من الكافرين به اختيارا لا اضطرارا ، فإنك إذا علمت صحة ذلك لم يكبر عليك إعراض من أعرض من المشركين عما تدعوه إليه من الحق وتكذيب من كذبك منهم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال بعض أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثنى معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : يقول الله سبحانه : لو شئت لجمعتهم على الهدى أجمعين . وفي هذا الخبر من الله تعالى الدلالة الواضحة على خطأ ما قال أهل التفويض من القدرية المنكرون أن يكون عند الله لطائف لمن شاء توفيقه من خلقه ، يلطف بها له حتى يهتدي للحق ، فينقاد له وينيب إلى الرشاد ، فيذعن به ويؤثره على الضلال والكفر بالله ؛ وذلك أنه تعالى ذكره أخبر أنه لو شاء الهداية لجميع من كفر به حتى يجتمعوا على الهدى فعل ، ولا شك أنه لو فعل ذلك بهم كانوا مهتدين لا ضلالا ، وهم لو كانوا مهتدين كان لا شك أن كونهم مهتدين كان خيرا لهم . وفي تركه تعالى ذكره أن يجمعهم على الهدى ترك منه أن يفعل بهم في دينهم بعض ما هو خير لهم فيه مما هو قادر على فعله بهم وقد ترك فعله بهم ، وفي تركه فعل ذلك بهم أوضح الدليل أنه لم يعطهم كل الأسباب التي بها يصلون إلى الهداية ويتسببون بها إلى الإيمان . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ . يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : لا يكبرن عليك إعراض هؤلاء المعرضين عنك وعن الاستجابة لدعائك إذا دعوتهم إلى توحيد ربهم والإقرار بنبوتك ، فإنه لا يستجيب لدعائك إلى ما تدعوه إليه من ذلك إلا الذين فتح الله أسماعهم لإصغاء إلى الحق وسهل لهم اتباع الرشد ، دون من ختم الله على سمعه فلا يفقه من دعائك إياه إلى الله وإلى اتباع الحق إلا ما تفقه الأنعام من أصوات رعاتها ، فهم كما وصفهم به الله تعالى : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ . وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ يقول : والكفار يبعثهم الله مع الموتى ، فجعلهم تعالى ذكره في عداد الموتى الذين لا يسمعون صوتا ولا يعقلون دعاء ولا يفقهون قولا ، إذ كانوا لا يتدبرون حجج الله ولا يعتبرون آياته ولا يتذكرون فينزجرون عما هم عليه من تكذيب رسل الله وخلافهم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ المؤمنون للذكر . وَالْمَوْتى الكفار ، حين يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ مع الموتى . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثني بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ قال : هذا مثل المؤمن سمع كتاب الله فانتفع به وأخذ به وعقله ، والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم ، وهذا مثل الكافر أصم أبكم ، لا يبصر هدى . وينتفع به . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبو أسامة ، عن سفيان الثوري ، عن محمد بن جحادة ، عن الحسن : إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ المؤمنون . وَالْمَوْتى قال : الكفار . حدثني ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن محمد بن جحادة ، قال : سمعت الحسن يقول في قوله : إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ قال : الكفار . وأما قوله : ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ فإنه يقول تعالى : ثم إلى الله يرجعون ، المؤمنون الذين استجابوا لله والرسول ، والكفار الذين يحول الله بينهم وبين أن يفقهوا عنك شيئا ، فيثيب هذا المؤمن على ما سلف من صالح عمله في الدنيا بما وعد أهل الإيمان به من الثواب ، ويعاقب هذا الكافر بما أوعد أهل الكفر به من العقاب ، لا يظلم أحدا منهم مثقال ذرة . القول في تأويل قوله تعالى : وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ . يقول تعالى ذكره : وقال هؤلاء العادلون بربهم المعرضون عن آياته : لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ يقول : قالوا : هلا نزل على محمد آية من ربه كما قال الشاعر :