محمد بن جرير الطبري
119
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
تعدون عقر النيب أفضل مجدكم * بني ضوطرى لولا الكمي المقنعا بمعنى : هلا الكمي . والآية العلامة ، وذلك أنهم قالوا : ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها . قال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد لقائلي هذه المقالة لك : إن الله قادر على أن ينزل آية ، يعني : حجة على ما يريدون ويسألون ؛ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ يقول : ولكن أكثر الذين يقولون ذلك فيسألونك آية ، لا يعلمون ما عليهم في الآية إن نزلها من البلاء ، ولا يدرون ما وجه ترك إنزال ذلك عليك ، ولو علموا السبب الذي من أجله لم أنزلها عليك لم يقولوا ذلك ولم يسألوكه ، ولكن أكثرهم لا يعلمون ذلك . القول في تأويل قوله تعالى : وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ . يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل لهؤلاء المعرضين عنك المكذبين بآيات الله : أيها القوم ، لا تحسبن الله غافلا عما تعملون ، أو أنه غير مجازيكم على ما تكسبون ، وكيف يغفل عن أعمالكم أو يترك مجازاتكم عليها وهو غير غافل عن عمل شيء دب على الأرض صغير أو كبير ولا عمل طائر طار بجناحيه في الهواء ؟ بل جعل ذلك كله أجناسا مجنسة وأصنافا مصنفة ، تعرف كما تعرفون وتتصرف فيما سخرت له كما تتصرفون ، ومحفوظ عليها ما عملت من عمل لها وعليها ، ومثبت كل ذلك من أعمالها في أم الكتاب ، ثم أنه تعالى ذكره مميتها ثم منشرها ومجازيها يوم القيامة جزاء أعمالها . يقول : فالرب الذي لم يضيع حفظ أعمال البهائم والدواب في الأرض والطير في الهواء حتى حفظ عليها حركاتها وأفعالها وأثبت ذلك منها في أم الكتاب وحشرها ثم جازاها على ما سلف منها في دار البلاء ، أحرى أن لا يضيع أعمالكم ولا يفرط في حفظ أفعالكم التي تجترحونها أيها الناس حتى يحشركم فيجازيكم على جميعها ، إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا ، إذ كان قد خصكم من نعمه وبسط عليكم من فضله ما لم يعم به غيركم في الدنيا ، وكنتم بشكره أحق وبمعرفة واجبه عليكم أولى لما أعطاكم من العقل الذي به بين الأشياء تميزون والفهم الذي لم يعطه البهائم والطير الذي به بين مصالحكم ومضاركم تفرقون . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ أصناف مصنفة تعرف بأسمائها . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله : وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ يقول : الطير أمة ، والإنس أمة ، والجن أمة . حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قوله : إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ يقول : إلا خلق أمثالكم . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنى حجاج ، عن ابن جريج ، في قوله : وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ قال : الذرة فما فوقها من ألوان ما خلق الله من الدواب . وأما قوله : ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ فإن معناه : ما ضيعنا إثبات شيء منه . كالذي : حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ما تركنا شيئا إلا قد كتبناه في أم الكتاب . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ قال : لم نغفل الكتاب ، ما من شيء إلا وهو في الكتاب . وحدثني به يونس مرة أخرى ، قال في قوله : ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ قال : كلهم مكتوب في أم الكتاب . وأما قوله : ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ فإن أهل التأويل اختلفوا في معنى حشرهم الذي عناه الله تعالى في هذا الموضع . فقال بعضهم : حشرها موتها . ذكر من قال ذلك :