محمد بن جرير الطبري
117
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ما كذبوا حتى حكم الله وهو خير الحاكمين . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا أبو زهير ، عن جويبر ، عن الضحاك : وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ قال : يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جرير : وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ الآية ، قال : يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ . يقول تعالى ذكره : إن كان عظم عليك يا محمد إعراض هؤلاء المشركين عنك وانصرافهم عن تصديقك فيما جئتهم به من الحق الذي بعثتك به ، فشق ذلك عليك ولم تصبر لمكروه ما ينالك منهم فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ يقول : فإن استطعت أن تتخذ سربا في الأرض ، مثل نافقاء اليربوع ، وهي أحد جحرته ، فتذهب فيه ؛ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ يقول : أو مصعدا تصعد فيه كالدرج وما أشبهها ، كما قال الشاعر : لا يحرز المرء أحجاء البلاد ولا * يبني له في السماوات السلاليم فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ يعني بعلامة وبرهان على صحة قولك غير الذي أتيتك ، فافعل . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال بعض أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قوله : وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ والنفق : السرب ، فتذهب فيه فتأتيهم بآية ، أو تجعل لك سلما في السماء ، فتصعد عليه فتأتيهم بآية أفضل مما أتيناهم به ؛ فافعل . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ قال : سربا ، أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ قال : يعني الدرج . حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ أما النفق : فالسرب ، وأما السلم : فالمصعد . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عطاء الخراساني ، عن ابن عباس ، قوله : نَفَقاً فِي الْأَرْضِ قال : سربا . وترك جواب الجزاء ، فلم يذكر لدلالة الكلام عليه ومعرفة السامعين بمعناه ، وقد تفعل العرب ذلك فيما كان يفهم معناه عند المخاطبين به ، فيقول الرجل منهم للرجل : أن استطعت أن تنهض معنا في حاجتنا إن قدرت على معونتنا ، ويحذف الجواب ، وهو يريد : إن قدرت على معونتنا فافعل ، فأما إذا لم يعرف المخاطب والسامع معنى الكلام إلا بإظهار الجواب لم يحذفوه ، لا يقال : إن تقم ، فتسكت وتحذف الجواب ؛ لأن المقول ذلك له لا يعرف جوابه إلا بإظهاره ، حتى يقال : إن تقم تصب خيرا ، أو : إن تقم فحسن ، وما أشبه ذلك . ونظير ما في الآية مما حذف جوابه وهو مراد لفهم المخاطب لمعنى الكلام قول الشاعر : . . . فتحط مما يعيش ولا تذهب * بك الترهات في الأهوال والمعنى : فتحط مما يعيش فعيشي . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ . يقول تعالى ذكره : إن الذين يكذبونك من هؤلاء الكفار يا محمد فيحزنك تكذيبهم إياك ، لو أشاء أن أجمعهم على استقامة من الدين وصواب من محجة الإسلام حتى تكون كلمة جميعكم واحدة وملتكم وملتهم واحدة ، لجمعتهم على ذلك ، ولم يكن بعيدا علي ؛ لأني القادر على ذلك بلطفي ، ولكني لم أفعل ذلك لسابق علمي في خلقي ونافذ قضائي فيهم من قبل أن أخلقهم وأصور أجسامهم . فَلا تَكُونَنَّ يا محمد مِنَ الْجاهِلِينَ يقول : فلا تكونن ممن لا يعلم أن الله لو شاء لجمع على الهدى جميع خلقه بلطفه ، وأن من يكفر به من خلقه إنما يكفر به لسابق علم الله فيه ونافذ قضائه بأنه كائن