محمد بن جرير الطبري
62
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الصيد بأسا ، إذا قتله الكلب أكل منه المعلم من الكلاب . حدثني يونس به مرة أخرى ، فقال : أخبرنا ابن وهب ، قال : ثني عبيد الله بن عمر وابن أبي ذئب وغير واحد ، أن نافعا حدثهم عن عبد الله بن عمر ، فذكر نحوه . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يحيى بن واضح ، قال : ثنا محمد بن أبي ذئب ، عن نافع ، عن ابن عمر : أنه كان لا يرى بأسا بما أكل الكلب الضاري المعلم من الكلاب . حدثنا هناد ، قال : ثنا وكيع ، عن ابن أبي ذئب ، عن بكير بن عبد الله بن الأشج ، عن حميد بن عبد الله ، عن سعد ، قال : قلت : لنا كلاب ضوار يأكلن ويبقين ؟ قال : كل وإن لم يبق إلا بضعة المعلم من الكلاب . حدثنا هناد ، قال : ثنا قبيصة ، عن سفيان ، عن ابن أبي ذئب ، عن يعقوب بن عبد الله بن الأشج ، عن حميد ، قال : سألت سعد ا ، فذكر نحوه . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندنا في تأويل قوله : تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ المعلم من الكلاب أن التعليم الذي ذكره الله في هذه الآية للجوارح ، إنما هو أن يعلم الرجل جارحه الاستشلاء إذا أشلى على الصيد ، وطلبه إياه إذا أغري ، أو إمساكه عليه إذا أخذه من غير أن يأكل منه شيئا ، وألا يفر منه إذا أراده ، وأن يجيبه إذا دعاه ، فذلك هو تعليم جميع الجوارح طيرها وبهائمها . وإن أكل من الصيد جارحة صائد ، فجارحه حينئذ غير معلم . فإن أدرك صيده صاحبه حيا فذكاه حل له أكله ، وإن أدركه ميتا لم يحل له ، لأنه مما أكله السبع الذي حرمه الله تعالى بقوله : وَما أَكَلَ السَّبُعُ ولم يدرك ذكاته . وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في ذلك بالصواب لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حدثنا به ابن حميد ، قال : ثنا ابن المبارك ، عن عاصم بن سليمان الأحول ، عن الشعبي ، عن عدي بن حاتم ، أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الصيد ، فقال : " إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله عليه ، فإن أدركته وقد قتل وأكل منه ، فلا تأكل منه شيئا ، فإنما أمسك على نفسه " المعلم من الكلاب حدثنا أبو كريب ، وأبو هشام الرفاعي ، قالا : ثنا محمد بن فضيل ، عن بيان بن بشر ، عن عامر ، عن عدي بن حاتم ، قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت : إنا قوم نتصيد بهذه الكلاب ؟ المعلم من الكلاب فقال : " إذا أرسلت كلابك المعلمة وذكرت اسم الله عليها ، فكل ما أمسكن عليك وإن قتلن ، إلا أن يأكل الكلب ، فإن أكل فلا تأكل ، فإني أخاف أن يكون إنما حبسه على نفسه " فإن قال قائل : فما أنت قائل فيما : حدثك به عمران بن بكار الكلاعي ، قال : ثنا عبد العزيز بن موسى ، قال : ثنا محمد بن دينار ، عن أبي إياس ، عن سعيد بن المسيب ، عن سلمان الفارسي ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " إذا أرسل الرجل كلبا على الصيد فأدركه وقد أكل منه ، فليأكل ما بقي " المعلم من الكلاب قيل : هذا خبر في إسناده نظر ، فإن سعيدا غير معلوم له سماع من سلمان ، والثقات من أهل الآثار يقفون هذا الكلام على سلمان ويروونه عنه من قبله غير مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم . والحفاظ الثقات إذا تتابعوا على نقل شيء بصفة فخالفهم واحد منفرد ليس له حفظهم ، كانت الجماعة الأثبات أحق بصحة ما نقلوا من الفرد الذي ليس له حفظهم . وإذا كان الأمر في الكلب على ما ذكرت من أنه إذا أكل من الصيد فغير معلم ، فكذلك حكم كل جارحة في أن ما أكل منها من الصيد فغير معلم ، لا يحل له أكل صيده إلا أن يدرك ذكاته . القول في تأويل قوله تعالى : فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ يعني بقوله : فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ فكلوا أيها الناس مما أمسكت عليكم جوارحكم . واختلف أهل التأويل في معنى ذلك ، فقال بعضهم : ذلك على الظاهر والعموم كما عممه الله حلال أكل كل ما أمسكت علينا الكلاب والجوارح المعلمة المعلم من الكلاب من الصيد الحلال أكله ، أكل منه الجارح والكلاب أو لم يأكل منه ، أدركت ذكاته فذكي أو لم تدرك ذكاته حتى قتلته الجوارح ، بجرحها إياه أو بغير جرح . وهذا قول الذين قالوا : تعليم الجوارح الذي يحل به صيدها أن تعلم الاستشلاء على الصيد وطلبه إذا أشليت عليه وأخذه ، وترك الهرب من صاحبها دون ترك الأكل من صيدها إذا صادته . وقد ذكرنا قول قائلي هذه المقالة والرواية عنهم بأسانيدها الواردة آنفا . وقال آخرون : بل ذلك على الخصوص