محمد بن جرير الطبري
63
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
دون العموم ، قالوا : ومعناه : فكلوا مما أمسكن عليكم من الصيد جميعه دون بعضه . قالوا : فإن أكلت الجوارح منه بعضا وأمسكت بعضا ، فالذي أمسكت منه غير جائز أكله وقد أكلت بعضه لأنها إنما أمسكت ما أمسكت من ذلك الصيد بعد الذي أكلت منه على أنفسها لا علينا ، والله تعالى ذكره إنما أباح لنا كل ما أمسكته جوارحنا المعلمة عليه المعلم من الكلاب بقوله : فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ دون ما أمسكته على أنفسها ، وهذا قول من قال : تعليم الجوارح الذي يحل به صيدها ، أن تستشلى للصيد إذا أشليت فتطلبه وتأخذه ، فتمسكه على صاحبها فلا تأكل منه شيئا ، ولا تفر من صاحبها ؛ وقد ذكرنا ممن قال ذلك فيما مضى منهم جماعة كثيرة ، ونذكر منهم جماعة آخرين في هذا الموضع . حدثنا المثني ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ يقول : كلوا مما قتلن المعلم من الكلاب . قال علي : وكان ابن عباس يقول : إن قتل وأكل فلا تأكل ، وإن أمسك فأدركته حيا فذكه . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي أب جد سعد ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : إن أكل المعلم من الكلاب من صيده قبل أن يأتيه صاحبه فيدرك ذكاته ، فلا يأكل من صيده . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ إذا صاد الكلب فأمسكه وقد قتله ولم يأكل منه ، فهو حل ، فإن أكل منه المعلم من الكلاب ، فيقال : إنما أمسك على نفسه ، فلا تأكل منه شيئا ، إنه ليس بمعلم . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : يَسْئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ إلى قوله : فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ المعلم من الكلاب قال : إذا أرسلت كلبك المعلم أو طيرك أو سهمك ، فذكرت اسم الله ، فأخذ أو قتل ، فكل . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ ، يقول : أخبرنا عبيد بن سلمان ، قال : سمعت الضحاك يقول : إذا أرسلت كلبك المعلم فذكرت اسم الله حين ترسله فأمسك أو قتل فهو حلال ، فإذا أكل منه فلا تأكله المعلم من الكلاب ، فإنما أمسكه على نفسه . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا أبو معاوية ، عن عاصم ، عن الشعبي ، عن عدي ، قوله : فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ قال : قلت يا رسول الله إن أرضي أرض صيد ؟ قال : " إذا أرسلت كلبك وسميت فكل مما أمسك عليك كلبك ، وإن قتل المعلم من الكلاب ، فإن أكل فلا تأكل فإنه إنما أمسك على نفسه " وقد بينا أولى القولين في ذلك بالصواب قبل المعلم من الكلاب ، فأغنى ذلك عن إعادته وتكراره . فإن قال قائل : وما وجه دخول " من " في قوله : فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وقد أحل الله لنا صيد جوارحنا الحلال ، " ومن " إنما تدخل في الكلام مبعضة لما دخلت فيه ؟ قيل : قد اختلف في معنى دخولها في هذا الموضع أهل العربية ، فقال بعض نحويي البصرة حين دخلت " من " في هذا الموضع لغير معنى ، كما تدخله العرب في قولهم : كان من مطر ، وكان من حديث . قال : ومن ذلك قوله : وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ وقوله : وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ قال : وهو فيما فسر : وينزل من السماء جبالا فيها برد . قال : وقال بعضهم : وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ أي من السماء من برد ، بجعل الجبال من برد في السماء ، وبجعل الإنزال منها . وكان غيره غير بعض نحويي البصرة من أهل العربية ينكر ذلك ويقول : لم تدخل " من " إلا لمعنى مفهوم لا يجوز الكلام ولا يصلح إلا به ، وذلك أنها دالة على التبعيض . وكان يقول : معنى قولهم : " قد كان من مطر ، وكان من حديث " : هل كان من مطر مطر عندكم ، وهل من حديث حديث عندكم . ويقول : معنى وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ أي ويكفر عنكم من سيئاتكم ما يشاء ويريد ، وفي قوله : وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فيجيز حذف " من " من مِنْ بَرَدٍ ولا يجيز حذفها من " الجبال " ، ويتأول معنى ذلك : وينزل من السماء أمثال جبال برد ، ثم أدخلت " من " في البرد ، لأن البرد مفسر عنده عن الأمثال : أعني : أمثال الجبال ، وقد أقيمت الجبال مقام الأمثال ، والجبال وهي جبال برد ، فلا يجيز حذف " من " من الجبال ، لأنها دالة على أن الذي في السماء الذي أنزل منه البرد أمثال جبال برد ،