محمد بن جرير الطبري
59
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
نظيره في أن التكليب للقانص بالكلاب كان صيده أو بغيرها ، لا أنه إعلام من الله عز ذكره أنه لا يحل من الصيد إلا ما صادته الكلاب . القول في تأويل قوله تعالى : تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ يعني جل ثناؤه بقوله : تُعَلِّمُونَهُنَّ تؤدبون الجوارح ، فتعلمونهن طلب الصيد لكم مما علمكم الله ، يعني بذلك : من التأديب الذي أدبكم الله والعلم الذي علمكم . وقد قال بعض أهل التأويل : معنى قوله : مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ كما علمكم الله . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ يقول : تعلمونهن من الطلب كما علمكم الله . ولسنا نعرف في كلام العرب " من " بمعنى الكاف ، لأن " من " تدخل في كلامهم بمعنى التبعيض ، والكاف بمعنى التشبيه . وإنما يوضع الحرف مكان آخر غيره إذا تقارب معنياهما ، فأما إذا اختلفت معانيهما فغير موجود في كلامهم وضع أحدهما عقيب الآخر ، وكتاب الله وتنزيله أحرى الكلام أن يجنب ما خرج عن المفهوم والغاية في الفصاحة من كلام من نزل بلسانه . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا إسماعيل بن صبيح ، قال : ثنا أبو هانئ ، عن أبي بشر ، قال : ثنا عامر ، أن عدي بن حاتم الطائي ، قال : أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله عن صيد الكلاب ، فلم يدر ما يقول له ، حتى نزلت هذه الآية : تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ قيل : اختلف أهل التأويل في ذلك ، فقال بعضهم : المعلم من الكلاب هو أن يستشلى لطلب الصيد إذا أرسله صاحبه ، ويمسك عليه إذا أخذه فلا يأكل منه ، ويستجيب له إذا دعاه ، ولا يفر منه إذا أراده ، فإذا تتابع ذلك منه مرارا كان معلما . وهذا قول جماعة من أهل الحجاز وبعض أهل العراق . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا أبو عصام ، قال : أخبرنا ابن جريج ، قال : قال عطاء : كل شيء قتله صائدك قبل أن يعلم ويمسك ويصيد فهو ميتة ، ولا يكون قتله إياه ذكاة حتى يعلم ويمسك ويصيد ، فإن كان ذلك ثم قتل فهو ذكاته المعلم من الكلاب . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قال : المعلم من الكلاب أن يمسك صيده فلا يأكل منه حتى يأتيه صاحبه ، فإن أكل من صيده قبل أن يأتيه صاحبه فيدرك ذكاته ، فلا يأكل من صيده . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن عيينة ، عن عمرو ، عن طاوس ، عن ابن عباس ، قال : المعلم من الكلاب إذا أكل الكلب فلا تأكل ، فإنما أمسك على نفسه . حدثنا أبو كريب ويعقوب بن إبراهيم ، قالا : ثنا إسماعيل بن إبراهيم ، قال : ثنا أبو المعلى ، عن سعيد بن جبير ، قال : قال ابن عباس : إذا أرسل الرجل الكلب فأكل من صيده فقد أفسده ، وإن كان ذكر اسم الله حين أرسله فزعم أنه إنما أمسك على نفسه والله يقول مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ المعلم من الكلاب فزعم أنه إذا أكل من صيده قبل أن يأتيه صاحبه أنه ليس بمعلم ، وأنه ينبغي أن يضرب ويعلم حتى يترك ذلك الخلق . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا معمر الرقي ، عن حجاج ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، قال : إذا أخذ الكلب فقتل فأكل ، فهو سبع . حدثنا ابن المثني ، قال : ثني عبد الأعلى ، قال : ثنا داود ، عن عامر ، عن ابن عباس ، قال : لا يأكل منه ، فإنه لو كان معلما لم يتعلم منه ولم يتعلم ما علمته ، إنما أمسك على نفسه ولم يمسك عليك المعلم من الكلاب . حدثنا ابن المثني ، قال : ثنا يزيد بن هارون ، قال : أخبرنا داود ، عن الشعبي ، عن ابن عباس ، بنحوه . حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن حماد ، عن إبراهيم ، عن ابن عباس ، قال : إذا أكلت الكلاب فلا تأكل المعلم من الكلاب . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن الشعبي ، عن ابن عباس ، بمثله . حدثنا حميد بن مسعدة ، قال : ثنا بشر بن المفضل ، قال : ثنا ابن عون ، قال : قلت لعامر الشعبي : الرجل يرسل كلبه فيأكل منه ، أنأكل منه ؟ قال : المعلم من الكلاب لا ، لم يتعلم الذي علمته . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن إدريس ، عن ليث ، عن مجاهد ، عن ابن عمر ، قال : إذا أكل الكلب من صيد فاضربه ، فإنه ليس بمعلم المعلم من الكلاب . حدثنا سوار بن عبد الله ، قال : ثنا يحيى بن سعيد ، عن