محمد بن جرير الطبري
41
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
واحدة ووقت واحد . وفي إجماع الجميع على أن حكم الله في أهل الحرب من المشركين قتلهم ، أموا البيت الحرام أو البيت المقدس في أشهر الحرم وغيرها ، ما يعلم أن المنع من قتلهم إذا أموا البيت الحرام منسوخ ، ومحتمل أيضا : ولا آمين البيت الحرام من أهل الشرك ، وأكثر أهل التأويل على ذلك . وإن كان عني بذلك المشركون من أهل الحرب ، فهو أيضا لا شك منسوخ . وإذ كان ذلك كذلك وكان لا اختلاف في ذلك بينهم ظاهر ، وكان ما كان مستفيضا فيهم ظاهر الحجة ، فالواجب وإن احتمل ذلك معنى غير الذي قالوا ، التسليم لما استفاض بصحته نقلهم . القول في تأويل قوله تعالى : يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً يعني بقوله : يَبْتَغُونَ يطلبون ويلتمسون . والفضل : الإرباح في التجارة ؛ والرضوان : رضا الله عنهم ، فلا يحل بهم من العقوبة في الدنيا ما أحل بغيرهم من الأمم في عاجل دنياهم بحجهم بيته . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : ثنا معمر ، عن قتادة في قوله : يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً قال : هم المشركون يلتمسون فضل الله ورضوانه فيما يصلح لهم دنياهم . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا عبدة بن سليمان ، قال : قرأت على ابن أبي عروبة ، فقال : هكذا سمعته من قتادة في قوله : يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً والفضل والرضوان : اللذان يبتغون أن يصلح معايشهم في الدنيا ، وأن لا يعجل لهم العقوبة فيها . حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس . يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً يعني : أنهم يترضون الله بحجهم . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا عبيد الله ، عن أبي جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، قال : جلسنا إلى مطرف بن الشخير ، وعنده رجل ، فحدثهم في قوله : يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً قال : التجارة في الحج ، والرضوان في الحج . حدثنا محمد بن المثني ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن أبي أميمة ، قال : قال ابن عمر في الرجل يحج ، ويحمل معه متاعا ، قال : لا بأس به . وتلا هذه الآية : يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً قال : يبتغون الأجر والتجارة . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا يعني بذلك جل ثناؤه : وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا الصيد الذي نهيتكم أن تحلوه وأنتم حرم ، يقول : جواز الصيد فلا حرج عليكم في اصطياده واصطادوا إن شئتم حينئذ ، لأن المعنى الذي من أجله كنت حرمته عليكم في حال إحرامكم قد زال . وبما قلنا في ذلك قال جميع أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا هشيم ، قال : ثنا حصين ، عن مجاهد ، أنه قال : هي رخصة . يعني قوله : وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا جواز الصيد حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبو خالد الأحمر ، عن حجاج ، عن القاسم ، عن مجاهد ، قال : خمس في كتاب الله رخصة ، وليست بعزمة ، فذكر : وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا جواز الصيد قال : من شاء فعل ، ومن شاء لم يفعل . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبو خالد ، عن حجاج ، عن عطاء ، مثله . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن سفيان ، عن حصين ، عن مجاهد : وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا جواز الصيد قال : إذا حل ، فإن شاء صاد ، وإن شاء لم يصطد . حدثنا ابن وكيع ، قال : حدثنا ابن إدريس ، عن ابن جريج ، عن رجل ، عن مجاهد : أنه كان لا يرى الأكل من هدي المتعة واجبا ، وكان يتأول هذه الآية : وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ القول في تأويل قوله تعالى : وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ يعني جل ثناؤه بقوله : وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ ولا يحملنكم . كما : حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ يقول : لا يحملنكم شنآن قوم . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أي لا يحملنكم . وأما أهل المعرفة باللغة ، فإنهم اختلفوا في تأويلها ، فقال بعض البصريين : معنى قوله : وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ لا يحقن لكم ؛ لأن قوله : لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ هو حق أن لهم النار . وقال بعض