محمد بن جرير الطبري
42
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الكوفيين معناه : لا يحملنكم . وقال : يقال : جرمني فلان على أن صنعت كذا وكذا : أي حملني عليه . واحتج جميعهم ببيت الشاعر : ولقد طعنت أبا عيينة طعنة * جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا فتأول ذلك كل فريق منهم على المعنى الذي تأوله من القرآن ، فقال الذين قالوا : لا يَجْرِمَنَّكُمْ لا يحقن لكم معنى قول الشاعر : جرمت فزارة : أحقت الطعنة لفزارة الغضب . وقال الذين قالوا معناه : لا يحملنكم : معناه في البيت : " جرمت فزارة أن يغضبوا " : حملت فزارة على أن يغضبوا . وقال آخر من الكوفيين : معنى قوله : لا يَجْرِمَنَّكُمْ لا يكسبنكم شنآن قوم . وتأويل قائل هذا القول قول الشاعر في البيت : " جرمت فزارة " : كسبت فزارة أن يغضبوا . قال : وسمعت العرب تقول : فلان جريمة أهله ، بمعنى : كاسبهم ، وخرج يجرمهم : يكسبهم . وهذه الأقوال التي حكيناها عمن حكيناها عنه متقاربة المعنى ؛ وذلك أن من حمل رجلا على بغض رجل فقد أكسبه بغضه ، ومن أكسبه بغضه فقد أحقه له . فإذا كان ذلك كذلك ، فالذي هو أحسن في الإبانة عن معنى الحرف ، ما قاله ابن عباس وقتادة ، وذلك توجيههما معنى قوله : وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ ولا يحملنكم شنآن قوم على العدوان . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء الأمصار : وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ بفتح الياء من : جرمته أجرمه . وقرأ ذلك بعض قراء الكوفيين ، وهو يحيى بن وثاب والأعمش ، ما : حدثنا ابن حميد وابن وكيع ، قالا : ثنا جرير ، عن الأعمش ، أنه قرأ : " ولا يجرمنكم " مرتفعة الياء من أجرمته أجرمه وهو يجرمني . والذي هو أولى بالصواب من القراءتين ، قراءة من قرأ ذلك : وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ بفتح الياء ، لاستفاضة القراءة بذلك في قراء الأمصار وشذوذ ما خالفها ، وأنها اللغة المعروفة السائرة في العرب ، وإن كان مسموعا من بعضها : أجرم يجرم ، على شذوذه ، وقراءة القرآن بأفصح اللغات أولى وأحق منها بغير ذلك ومن لغة من قال : جرمت ، قول الشاعر : يا أيها المشتكي عكلا وما جرمت * إلى القبائل من قتل وإباس القول في تأويل قوله تعالى : شَنَآنُ قَوْمٍ اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأه بعضهم : شَنَآنُ بتحريك الشين والنون إلى الفتح ، بمعنى : بغض قوم توجيها منهم ذلك إلى المصدر الذي يأتي على فعلان نظير الطيران ، والنسلان ، والعسلان ، والرملان . وقرأ ذلك آخرون : شَنَآنُ قَوْمٍ بتسكين النون وفتح الشين ، بمعنى الاسم ؛ توجيها منهم معناه إلى : لا يحملنكم بغض قوم ، فيخرج شنآن على تقدير فعلان ، لأن فعل منه على فعل ، كما يقال : سكران من سكر ، وعطشان من عطش ، وما أشبه ذلك من الأسماء . والذي هو أولى القراءتين في ذلك بالصواب ، قراءة من قرأ : شَنَآنُ بفتح النون محركة ، لشائع تأويل أهل التأويل على أن معناه : بغض قوم ، وتوجيههم ذلك إلى معنى المصدر دون معنى الاسم . وإذ كان ذلك موجها إلى معنى المصدر ، فالفصيح من كلام العرب فيما جاء من المصادر على الفعلان بفتح الفاء تحريك ثانيه دون تسكينه ، كما وصفت من قولهم : الدرجان ، والرملان من درج ورمل ، فكذلك الشنآن من شنئته أشنؤه شنآنا . ومن العرب من يقول : شنآن على تقدير فعال ، ولا أعلم قارئا قرأ ذلك كذلك ، ومن ذلك قول الشاعر : وما العيش إلا ما يلذ ويشتهي * إن لام فيه ذو الشنان وفندا وهذا في لغة من ترك الهمز من الشنآن ، فصار على تقدير فعال وهو في الأصل فعلان . ذكر من قال من أهل التأويل : شَنَآنُ قَوْمٍ بغض قوم . حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ لا يحملنكم بغض قوم . وحدثني به المثني مرة أخرى بإسناده ، عن ابن عباس ، فقال : لا يحملنكم عداوة قوم أن تعتدوا . حدثنا بشر ،