محمد بن جرير الطبري
25
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الله صلى الله عليه وسلم في ذلك . وأما قوله : وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ فإنه يعني بالكلمة : الرسالة التي أمر الله ملائكته أن تأتي مريم بها ، بشارة من الله لها التي ذكر الله جل ثناؤه في قوله : إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ يعني : برسالة منه ، وبشارة من عنده وقد قال قتادة في ذلك ، ما : حدثنا به الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر عن قتادة : وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ قال : هو قوله : كن فكان . وقد بينا اختلاف المختلفين من أهل الإسلام في ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . وقوله : أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ يعني : أعلمها بها وأخبرها ، كما يقال : ألقيت إليك كلمة حسنة ، بمعنى أخبرتك بها ، وكلمتك بها . وأما قوله : وَرُوحٌ مِنْهُ فإن أهل العلم اختلفوا في تأويله ، فقال بعضهم : معنى قوله : وَرُوحٌ مِنْهُ ونفخة منه ، لأنه حدث عن نفخة جبريل عليه السلام في درع مريم بأمر الله إياه بذلك ، فنسب إلى أنه روح من الله ، لأنه بأمره ، كان ، قال : وإنما سمي النفخ روحا لأنها ريح تخرج من الروح ، واستشهدوا على ذلك من قولهم بقول ذي الرمة في صفة نار نعتها : فلما بدت كفنتها وهي طفلة * بطلساء لم تكمل ذراعا ولا شبرا وقلت له ارفعها إليك وأحيها * بروحك واقتته لها قيتة قدرا وظاهر لها من بائس الشخت واستعن * عليها الصبا واجعل يديك لها سترا فلما جرت للجزل جريا كأنه * سنا البرق أحدثنا لخالقها شكرا وقالوا : يعني بقوله : أحيها بروحك : أي أحيها بنفخك . وقال بعضهم : يعني بقوله : وَرُوحٌ مِنْهُ أنه كان إنسانا بإحياء الله له بقوله : " كن " ، قالوا : وإنما معنى قوله : وَرُوحٌ مِنْهُ وحياة منه ، بمعنى : إحياء الله إياه بتكوينه . وقال بعضهم : معنى قوله : وَرُوحٌ مِنْهُ ورحمة منه كما قال جل ثناؤه في موضع آخر : وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ المجادلة : قال : ومعناه في هذا الموضع : ورحمة منه . قال : فجعل الله عيسى رحمة منه على من اتبعه وآمن به وصدقه ، لأنه هداهم إلى سبيل الرشاد . وقال آخرون : معنى ذلك : وروح من الله خلقها فصورها ، ثم أرسلها إلى مريم ، فدخلت في فيها ، فصيرها الله تعالى روح عيسى عليه السلام . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد ، قال : أخبرني أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية ، عن أبي بن كعب في قوله : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ الأعراف : قال : أخذهم فجعلهم أرواحا ، ثم صورهم ، ثم استنطقهم ، فكان روح عيسى من تلك الأرواح التي أخذ عليها العهد والميثاق ، فأرسل ذلك الروح إلى مريم ، فدخل في فيها فحملت والذي خاطبها ، وهو روح عيسى عليه السلام . وقال آخرون : معنى الروح هاهنا : جبريل عليه السلام . قالوا : ومعنى الكلام : وكلمته ألقاها إلى مريم ، وألقاها أيضا إليها روح من الله ، قالوا : فالروح معطوف به على ما في قوله أَلْقاها من ذكر الله ، بمعنى أن إلقاء الكلمة إلى مريم كان من الله ثم من جبريل عليه السلام . ولكل هذه الأقوال وجه ومذهب غير بعيد من الصواب . القول في تأويل قوله تعالى : فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ يعني بقوله جل ثناؤه : فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ فصدقوا يا أهل الكتاب بوحدانية الله وربوبيته ، وأنه لا ولد له ، وصدقوا رسله فيما جاءوكم به من عند الله ، وفيما أخبرتكم به أن الله واحد لا شريك له ، ولا صاحبة له ، ولا ولد له . وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ يعني : ولا تقولوا الأرباب ثلاثة . ورفعت الثلاثة بمحذوف دل عليه الظاهر ، وهو " هم " . ومعنى الكلام : ولا تقولوا هم ثلاثة . وإنما جاز ذلك لأن القول حكاية ، والعرب تفعل ذلك في الحكاية ، ومنه قول الله : سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ الكهف :