محمد بن جرير الطبري
26
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وكذلك كل ما ورد من مرفوع بعد القول لا رافع معه ، ففيه إضمار اسم رافع لذلك الاسم . ثم قال لهم جل ثناؤه متوعدا لهم في قولهم العظيم الذي قالوه في الله : انتهوا أيها القائلون الله ثالث ثلاثة عما تقولون من الزور والشك بالله ، فإن الانتهاء عن ذلك خير لكم من قيله ، لما لكم عند الله من العقاب العاجل لكم على قيلكم ذلك ، إن أقمتم عليه ولم تنيبوا إلى الحق الذي أمرتكم بالإنابة إليه والآجل في معادكم . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي يعني بقوله : إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ ما الله أيها القائلون : الله ثالث ثلاثة كما تقولون ، لأن من كان له ولد فليس بإله ، وكذلك من كان له صاحبة فغير جائز أن يكون إلها معبودا ، ولكن الله الذي له الألوهة والعبادة ، إله واحد معبود ، لا ولد له ، ولا والد ، ولا صاحبة ، ولا شريك . ثم نزه جل ثناؤه نفسه وعظمها ورفعها عما قال فيه أعداؤه الكفرة به ، فقال : سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ يقول : علا الله وجل وعز وتعظم وتنزه عن أن يكون له ولد أو صاحبة . ثم أخبر جل ثناؤه عباده أن عيسى وأمه ، ومن في السماوات ومن في الأرض ، عبيده ، وملكه ، وخلقه ، وأنه رازقهم وخالقهم ، وأنهم أهل حاجة وفاقة إليه ، احتجاجا منه بذلك على من ادعى أن المسيح ابنه ، وأنه لو كان ابنه كما قالوا لم يكن ذا حاجة إليه ، ولا كان له عبدا مملوكا ، فقال : لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يعني : لله ما في السماوات وما في الأرض من الأشياء كلها ، ملكا وخلقا ، وهو يرزقهم ويقوتهم ويدبرهم ، فكيف يكون المسيح ابنا لله وهو في الأرض أو في السماوات غير خارج من أن يكون في بعض هذه الأماكن وقوله : وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا يقول : وحسب ما في السماوات وما في الأرض بالله قيما ومدبرا ورازقا ، من الحاجة معه إلى غيره . القول في تأويل قوله تعالى : لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ يعني جل ثناؤه بقوله : لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ لن يأنف ولن يستكبر المسيح أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ يعني : من أن يكون عبدا لله . كما : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ لن يحتشم المسيح أن يكون عبد الله ولا الملائكة . وأما قوله : وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ فإنه يعني : ولن يستنكف أيضا من الإقرار لله بالعبودية ، والإذعان له بذلك رسله المقربون الذين قربهم الله ورفع منازلهم على غيرهم من خلقه . وروي عن الضحاك أنه كان يقول في ذلك ما : حدثني به جعفر بن محمد البزوري ، قال : ثنا يعلى بن عبيد ، عن الأجلح ، قال : قلت للضحاك : ما المقربون ؟ قال : أقربهم إلى السماء الثانية . القول في تأويل قوله تعالى : وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً يعني جل ثناؤه بذلك : ومن يتعظم عن عبادة ربه ، ويأنف من التذلل والخضوع له بالطاعة من الخلق كلهم ، ويستكبر عن ذلك . فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً يقول : فسيبعثهم يوم القيامة جميعا ، فيجمعهم لموعدهم عنده . القول في تأويل قوله تعالى : فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ . . . وَلا نَصِيراً يعني جل ثناؤه بذلك : فأما المؤمنون المقرون بوحدانية الله ، الخاضعون له بالطاعة ، المتذللون له بالعبودية ، والعاملون الصالحات من الأعمال ، وذلك أن يردوا على ربهم ، قد آمنوا به وبرسله ، وعملوا بما أتاهم به رسله من عند ربهم ، من فعل ما أمرهم به ، واجتناب ما أمرهم باجتنابه ؛ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ يقول : فيؤتيهم جزاء أعمالهم الصالحة وافيا تاما . وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ يعني جل ثناؤه : ويزيدهم على ما وعدهم من الجزاء على أعمالهم الصالحة والثواب عليها من الفضل والزيادة ما لم يعرفهم مبلغه ولم يحد لهم منتهاه . وذلك أن الله وعد من جاء من عباده المؤمنين بالحسنة الواحدة عشر أمثالها من