محمد بن جرير الطبري

17

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

ما شاء الله " وربما قال : " أربعين سنة ، ثم توفى ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه " ، . وأما الذي قال : عنى بقوله : لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ليؤمنن بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل موت الكتابي ، فمما لا وجه له مفهوم ؛ لأنه مع فساده من الوجه الذي دللنا على فساد قول من قال : عنى به : ليؤمنن بعيسى قبل موت الكتابي ، يزيده فسادا أنه لم يجر لمحمد عليه الصلاة والسلام في الآيات التي قبل ذلك ذكر ، فيجوز صرف الهاء التي في قوله : لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ إلى أنها من ذكره ، وإنما قوله : لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ في سياق ذكر عيسى وأمه واليهود ، فغير جائز صرف الكلام عما هو في سياقه إلى غيره إلا بحجة يجب التسليم لها من دلالة ظاهر التنزيل أو خبر عن الرسول تقوم به حجة ؛ فأما الدعاوى فلا تتعذر على أحد . فتأويل الآية إذ كان الأمر على ما وصفت : وما من أهل الكتاب إلا من ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى ، وحذف " من " بعد " إلا " لدلالة الكلام عليه ، فاستغني بدلالته عن إظهاره كسائر ما قد تقدم من أمثاله التي قد أتينا على البيان عنها . القول في تأويل قوله تعالى : وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً . يعني بذلك جل ثناؤه : وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عيسى على أهل الكتاب شَهِيداً يعني : شاهدا عليهم بتكذيب من كذبه منهم ، وتصديق من صدقه منهم فيما أتاهم به من عند الله وبإبلاغه رسالة ربه . كالذي : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، قال : قال ابن جريج : وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً أنه قد أبلغهم ما أرسله به إليهم . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً يقول : يكون عليهم شهيدا يوم القيامة ، على أنه قد بلغ رسالة ربه وأقر بالعبودية على نفسه . القول في تأويل قوله تعالى : فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ . . . مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً يعني بذلك جل ثناؤه : فحرمنا على اليهود الذين نقضوا ميثاقهم الذي واثقوا ربهم ، وكفروا بآيات الله ، وقتلوا أنبياءهم ، وقالوا البهتان على مريم ، وفعلوا ما وصفهم الله في كتابه طيبات من المآكل وغيرها كانت لهم حلالا ، عقوبة لهم بظلمهم الذي أخبر الله عنهم في كتابه . كما : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ الآية ، عوقب القوم بظلم ظلموه وبغي بغوه حرمت عليهم أشياء ببغيهم وبظلمهم . وقوله : وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً يعني : وبصدهم عباد الله عن دينه وسبله التي شرعها لعباده صدا كثيرا ، وكان صدهم عن سبيل الله بقولهم على الله الباطل ، وادعائهم أن ذلك عن الله ، وتبديلهم كتاب الله وتحريف معانيه عن وجوهه ، وكان من عظيم ذلك جحودهم نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وتركهم بيان ما قد علموا من أمره لمن جهل أمره من الناس . وبنحو ذلك كان مجاهد يقول . حدثنا محمد بن عمرو ، قال : ثني أبو عاصم ، قال : ثني عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً قال : أنفسهم وغيرهم عن الحق . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله . وقوله : وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وهو أخذهم ما أفضلوا على رؤوس أموالهم لفضل تأخير في الأجل بعد محلها . وقد بينت معنى الربا فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته . وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ يعني عن أخذ الربا . وقوله : وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ يعني : ما كانوا يأخذون من الرشا على الحكم ، كما وصفهم الله به في قوله : وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ المائدة : وكان من أكلهم أموال الناس بالباطل ما كانوا يأخذون من أثمان الكتب التي كانوا يكتبونها بأيديهم ، ثم يقولون : هذا من عند الله ، وما أشبه ذلك من المآكل الخسيسة الخبيثة . فعاقبهم الله على جميع ذلك بتحريمه ما حرم عليهم من الطيبات التي كانت لهم حلالا قبل ذلك . وإنما وصفهم الله بأنهم كانوا ما أكلوا من أموال الناس كذلك