محمد بن جرير الطبري

18

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

بالباطل بأنهم أكلوه بغير استحقاق وأخذوا أموالهم منهم بغير استيجاب ، فقوله : وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً يعني : وجعلنا للكافرين بالله وبرسوله محمد من هؤلاء اليهود العذاب الأليم ، وهو الموجع من عذاب جهنم ، عدة يصلونها في الآخرة ، إذا وردوا على ربهم فيعاقبهم بها . القول في تأويل قوله تعالى : لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ هذا من الله جل ثناؤه استثناء ، استثنى من أهل الكتاب من اليهود الذين وصف صفتهم في هذه الآيات التي مضت من قوله : يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ ثم قال جل ثناؤه لعباده ، مبينا لهم حكم من قد هداه لدينه منهم ووفقه لرشده : ما كل أهل الكتاب صفتهم الصفة التي وصفت لكم ، لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وهم الذين قد رسخوا في العلم بأحكام الله التي جاءت بها أنبياؤه ، وأتقنوا ذلك ، وعرفوا حقيقته . وقد بينا معنى الرسوخ في العلم بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . وَالْمُؤْمِنُونَ يعني : والمؤمنون بالله ورسله ، وهم يؤمنون بالقرآن الذي أنزل الله إليك يا محمد ، وبالكتب التي أنزلها على من قبلك من الأنبياء والرسل ، ولا يسألونك كما سأل هؤلاء الجهلة منهم أن تنزل عليهم كتابا من السماء ، لأنهم قد علموا بما قرءوا من كتب الله وأتتهم به أنبياؤهم ، أنك لله رسول واجب عليهم اتباعك ، لا يسعهم غير ذلك ، فلا حاجة بهم إلى أن يسألوك آية معجزة ، ولا دلالة غير الذي قد علموا من أمرك بالعلم الراسخ في قلوبهم من أخبار أنبيائهم إياهم بذلك وبما أعطيتك من الأدلة على نبوتك ، فهم لذلك من علمهم ورسوخهم فيه يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ من الكتاب وَ ب ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ من سائر الكتب . كما : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ استثنى الله ثنية من أهل الكتاب ، وكان منهم من يؤمن بالله ، وما أنزل عليهم ، وما أنزل على نبي الله ، يؤمنون به ويصدقون به ، ويعلمون أنه الحق من ربهم . ثم اختلف في المقيمين الصلاة ، أهم الراسخون في العلم ، أم هم غيرهم ؟ فقال بعضهم : هم هم . ثم اختلف قائلوا ذلك في سبب مخالفة إعرابهم إعراب الراسخون في العلم ، وهما من صفة نوع من الناس ، فقال بعضهم : ذلك غلط من الكاتب ، وإنما هو : لكن الراسخون في العلم منهم ، والمقيمون الصلاة . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا الحجاج بن المنهال ، قال : ثنا حماد بن سلمة ، عن الزبير ، قال : قلت لأبان بن عثمان بن عفان : ما شأنها كتبت لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ قال : إن الكاتب لما كتب لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ حتى إذا بلغ قال : ما أكتب ؟ قيل له اكتب وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ فكتب ما قيل له . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا أبو معاوية ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه عروة ، أنه سأل عائشة عن قوله : وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وعن قوله : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ المائدة : وعن قوله : إِنْ هذانِ لَساحِرانِ طه : فقالت : يا ابن أختي هذا عمل الكتاب أخطئوا في الكتاب . وذكر أن ذلك المقيمين في قراءة ابن مسعود : " والمقيمون الصلاة " . وقال آخرون ، وهو قول بعض نحويي الكوفة والبصرة : والمقيمون الصلاة من صفة الراسخين في العلم ، ولكن الكلام لما تطاول واعترض بين الراسخين في العلم والمقيمين الصلاة ما اعترض من الكلام فطال نصب المقيمين على وجه المدح ، قالوا : والعرب تفعل ذلك في صفة الشيء الواحد ونعته إذا تطاولت بمدح أو ذم خالفوا بين إعراب أوله وأوسطه أحيانا ثم رجعوا بآخره إلى إعراب أوله ، وربما أجروا إعراب آخره على إعراب أوسطه ، وربما أجروا ذلك على نوع واحد من الإعراب . واستشهدوا لقولهم ذلك بالآيات التي ذكرناها في قوله : وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ