محمد بن جرير الطبري
180
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
هارون بن إبراهيم ، قال : سئل ابن سيرين عن رجل يبيع داره من نصارى يتخذونها بيعة ، قال : فتلا هذه الآية : لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ يعني تعالى ذكره بذلك ، أن الله لا يوفق من وضع الولاية في غير موضعها فوالى اليهود والنصارى مع عداوتهم الله ورسوله والمؤمنين على المؤمنين ، وكان لهم ظهيرا ونصيرا ، لأن من تولاهم فهو لله ولرسوله وللمؤمنين حرب . وقد بينا معنى الظلم في غير هذا الموضع وأنه وضع الشيء في غير موضعه بما أغنى عن إعادته . القول في تأويل قوله تعالى : فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ اختلف أهل التأويل فيمن عني بهذه الآية ، فقال بعضهم : عني بها عبد الله بن أبي ابن سلول . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن إدريس ، قال : سمعت أبي إدريس ، عن عطية بن سعد : فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ عبد الله بن أبي ، يُسارِعُونَ فِيهِمْ في ولايتهم ، يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ إلى آخر الآية فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ حدثنا هناد ، قال : ثنا يونس بن بكير ، قال : ثنا ابن إسحاق ، قال : ثني والدي إسحاق بن يسار ، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت : فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يعني : عبد الله بن أبي ، يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ لقوله : إني أخشى دائرة تصيبني وقال آخرون : بل عني بذلك قوم من المنافقين كانوا يناصحون اليهود ويغشون المؤمنين ويقولون : نخشى أن تكون دائرة لليهود على المؤمنين . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره : فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ قال : المنافقون في مصانعة يهود ومناجاتهم ، واسترضاعهم أولادهم إياهم . وقول الله تعالى ذكره : نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ قال : يقول : نخشى أن تكون الدائرة لليهود حدثني المثني ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ إلى قوله : نادِمِينَ أناس من المنافقين كانوا يودون اليهود ويناصحونهم دون المؤمنين حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط عن السدي : فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ قال : شك ؛ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ والدائرة : ظهور المشركين عليهم والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال : إن ذلك من الله خبر عن ناس من المنافقين كانوا يوالون اليهود والنصارى ، ويغشون المؤمنين ، ويقولون : نخشى أن تدور دوائر ، إما لليهود والنصارى ، وإما لأهل الشرك من عبدة الأوثان أو غيرهم على أهل الإسلام ، أو تنزل بهؤلاء المنافقين نازلة ، فيكون بما إليهم حاجة . وقد يجوز أن يكون ذلك كان من قول عبد الله بن أبي ، ويجوز أن يكون كان من قول غيره ، غير أنه لا شك أنه من قول المنافقين . فتأويل الكلام إذن : فترى يا محمد الذين في قلوبهم مرض وشك إيمان بنبوتك ، وتصديق ما جئتهم به من عند ربك يُسارِعُونَ فِيهِمْ يعني في اليهود والنصارى . ويعني بمسارعتهم فيهم : مسارعتهم في موالاتهم ومصانعتهم . يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ يقول هؤلاء المنافقون : إنما نسارع في موالاة هؤلاء اليهود والنصارى خوفا من دائرة تدور علينا من عدونا . ويعني بالدائرة : الدولة ، كما قال الراجز : ترد عنك القدر المقدورا * ودائرات الدهر أن تدورا يعني : أن تدول للدهر دولة فنحتاج إلى نصرتهم إيانا ، فنحن نواليهم لذلك . فقال الله تعالى ذكره لهم : فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ القول