محمد بن جرير الطبري

181

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

في تأويل قوله تعالى : فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ يعني تعالى ذكره بقوله : فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فلعل الله أن يأتي بالفتح . ثم اختلفوا في تأويل الفتح في هذا الموضع ، فقال بعضهم : عنى به هاهنا القضاء . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ قال : بالقضاء وقال آخرون : عني به فتح مكة . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ قال : فتح مكة والفتح في كلام العرب : هو القضاء كما قال قتادة ، ومنه قول الله تعالى : رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وقد يجوز أن يكون ذلك القضاء الذي وعد الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بقوله : فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ فتح مكة ، لأن ذلك كان من عظيم قضاء الله وفصل حكمه بين أهل الإيمان والكفر ، ويقرر عند أهل الكفر والنفاق أن الله معلي كلمته وموهن كيد الكافرين . وأما قوله : أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فإن السدي كان يقول في ذلك ما : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ قال : الأمر : الجزية وقد يحتمل أن يكون الأمر الذي وعد الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يأتي به ، هو الجزية ، ويحتمل أن يكون غيرها . غير أنه أي ذلك كان فهو مما فيه إدالة المؤمنين على أهل الكفر بالله وبرسوله ، ومما يسوء المنافقين ولا يسرهم ؛ وذلك أن الله تعالى قد أخبر عنهم أن ذلك الأمر إذا جاء أصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين . وأما قوله : فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ فإنه يعني : هؤلاء المنافقين الذين يوالون اليهود والنصارى ، يقول تعالى ذكره : لعل الله أن يأتي بأمر من عنده يديل به المؤمنين على الكافرين من اليهود والنصارى وغيرهم من أهل الكفر ، فيصبح هؤلاء المنافقون على ما أسروا في أنفسهم من مخالة اليهود والنصارى ومودتهم وبغضة المؤمنين ومحادتهم نادمين . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ من موادتهم اليهود ، ومن غشهم للإسلام وأهله القول في تأويل قوله تعالى : وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَ هؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ اختلف القراء في قراءة قوله : وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا فقرأتها قراء أهل المدينة : " فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين يقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله " بغير واو . وتأويل الكلام على هذه القراءة : فيصبح المنافقون إذا أتى الله بالفتح أو أمر من عنده ، على ما أسروا في أنفسهم نادمين ، يقول المؤمنين تعجبا منهم ومن نفاقهم وكذبهم واجترائهم على الله في أيمانهم الكاذبة بالله : أهؤلاء الذين أقسموا لنا بالله إنهم لمعنا وهم كاذبون في أيمانهم لنا وهذا المعنى قصد مجاهد في تأويله ذلك الذي : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد : فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ حينئذ ، يقول الذين آمنوا : أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد إيمانهم ، إنهم لمعكم ، حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين كذلك ذلك في مصاحف أهل المدينة بغير واو . وقرأ ذلك بعض البصريين : وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا بالواو ، ونصب " يقول " عطفا به على " فعسى الله أن يأتي بالفتح " وذكر قارئ ذلك أنه كان يقول : إنما أريد بذلك : فعسى الله أن يأتي بالفتح ، وعسى أن يقول الذين آمنوا . ومحال غير ذلك ، لأنه لا يجوز أن يقال : وعسى الله أن يقول الذين آمنوا ، وكان يقول : ذلك نحو قولهم : أكلت خبزا ولبنا ، وكقول الشاعر : ورأيت زوجك في الوغى * متقلدا سيفا ورمحا فتأويل الكلام على هذه القراءة : فعسى الله أن يأتي بالفتح المؤمنين ، أو أمر من عنده يديلهم به على