محمد بن جرير الطبري
16
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
حدثت عن الحسين بن الفرج ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد بن سليمان قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ قال : لا يموت أحد من اليهود حتى يشهد أن عيسى رسول الله صلى الله عليه وسلم . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا يعلى ، عن جويبر في قوله : لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ قال : في قراءة أبي : " قبل موتهم " . وقال آخرون : معنى ذلك : وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل موت الكتابي . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا الحجاج بن المنهال ، قال : ثنا حماد ، عن حميد ، قال : قال عكرمة : لا يموت النصراني واليهودي حتى يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ، يعني في قوله : وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ . قال أبو جعفر : وأولى الأقوال بالصحة والصواب قول من قال : تأويل ذلك : وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى . وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب من غيره من الأقوال ، لأن الله جل ثناؤه حكم لكل مؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم بحكم أهل الإيمان في الموارثة والصلاة عليه وإلحاق صغار أولاده بحكمه في الملة ، فلو كان كل كتابي يؤمن بعيسى قبل موته ، لوجب أن لا يرث الكتابي إذا مات على ملته إلا أولاده الصغار أو البالغون منهم من أهل الإسلام ، إن كان له ولد صغير أو بالغ مسلم ، وإن لم يكن له ولد صغير ولا بالغ مسلم ، كان ميراثه مصروفا حيث يصرف مال المسلم ، يموت ولا وارث له ، وأن يكون حكمه حكم المسلمين في الصلاة عليه وغسله وتقبيره ، لأن من مات مؤمنا بعيسى فقد مات مؤمنا بمحمد وبجميع الرسل ؛ وذلك أن عيسى صلوات الله عليه جاء بتصديق محمد وجميع المرسلين ، فالمصدق بعيسى والمؤمن به مصدق بمحمد وبجميع أنبياء الله ورسله ، كما أن المؤمن بمحمد مؤمن بعيسى وبجميع أنبياء الله ورسله ، فغير جائز أن يكون مؤمنا بعيسى من كان بمحمد مكذبا . فإن ظن ظان أن معنى إيمان اليهودي بعيسى ، الذي ذكره الله في قوله : وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ إنما هو إقراره بأنه لله نبي مبعوث دون تصديقه بجميع ما أتى به من عند الله ، فقد ظن خطأ . وذلك أنه غير جائز أن يكون منسوبا إلى الإقرار بنبوة نبي من كان له مكذبا في بعض ما جاء به من وحي الله وتنزيله ، بل غير جائز أن يكون منسوبا إلا الإقرار بنبوة أحد من أنبياء الله لأن الأنبياء جاءت الأمم بتصديق جميع أنبياء الله ورسله ؛ فالمكذب بعض أنبياء الله فيما أتى به أمته من عند الله مكذب جميع أنبياء الله فيما دعوا إليه من دين عباد الله . وإذ كان ذلك كذلك ، كان في إجماع الجميع من أهل الإسلام على أن كل كتابي مات قبل إقراره بمحمد صلوات الله عليه وما جاء به من عند الله ، محكوم له بحكم المسألة التي كان عليها أيام حياته ، غير منقول شيء من أحكامه في نفسه وماله وولده صغارهم وكبارهم بموته عما كان عليه في حياته ، أدل الدليل على أن معنى قول الله : وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ إنما معناه : إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى ، وأن ذلك في خاص من أهل الكتاب ، ومعني به أهل زمان منهم دون أهل كل الأزمنة التي كانت بعد عيسى ، وأن ذلك كائن عند نزوله . كالذي : حدثني بشر بن معاذ ، قال : ثني يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، عن عبد الرحمن بن آدم ، عن أبي هريرة ، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : " الأنبياء إخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد ، وإني أولى الناس بعيسى ابن مريم لأنه لم يكن بيني وبينه نبي . وإنه نازل ، فإذا رأيتموه فاعرفوه ، فإنه رجل مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض ، سبط الشعر كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل ، بين ممصرتين ، فيدق الصليب ، ويقتل الخنزير ، ويضع الجزية ، ويفيض المال ، ويقاتل الناس على الإسلام حتى يهلك الله في زمانه الملل كلها غير الإسلام ، ويهلك الله في زمانه مسيح الضلالة الكذاب الدجال ، وتقع الأمنة في الأرض في زمانه حتى ترتع الأسود مع الإبل والنمور مع البقر والذئاب مع الغنم ، وتلعب الغلمان والصبيان بالحيات لا يضر بعضهم بعضا ، ثم يلبث في الأرض