محمد بن جرير الطبري
146
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
في حربه إلا أن يطلبه أحد بدم كان أصابه في سلمه قبل حربه فإنه يقاد به حد المحارب . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا معمر الرقي ، قال : ثنا الحجاج ، عن الحكم بن عتيبة ، قال : قاتل الله الحجاج إن كان ليفقه أمن رجلا من محاربته حد المحارب ، فقال : انظروا هل أصاب شيئا قبل خروجه ؟ . وقال آخرون تضع توبته عنه حد الله الذي وجب عليه بمحاربته حد المحارب ، ولا يسقط عنه حقوق بني آدم . وممن قال ذلك الشافعي ، حدثنا بذلك عنه الربيع . وأولى هذه الأقوال في ذلك بالصواب عندي قول من قال : توبة المحارب الممتنع بنفسه أو بجماعة معه قبل القدرة عليه ، تضع عنه تبعات الدنيا التي كانت لزمته في أيام حربه وحرابته من حدود الله ، وغرم لازم وقود وقصاص ، إلا ما كان قائما في يده من أموال المسلمين والمعاهدين بعينه ، فيرد على أهله حد المحارب ؛ لإجماع الجميع على أن ذلك حكم الجماعة المتنعة المحاربة لله ولرسوله الساعية في الأرض فسادا على وجه الردة عن الإسلام ، فكذلك حكم كل ممتنع سعى في الأرض فسادا ، جماعة كانوا أو واحدا ، فأما المستخفي بسرقته والمتلصص على وجه إغفال من سرقه ، والشاهر السلاح في خلاء على بعض السابلة ، وهو عند الطلب غير قادر على الامتناع ، فإن حكم الله عليه تاب أو لم يتب ماض ، وبحقوق من أخذ ماله أو أصاب وليه بدم أو ختل مأخوذ ، وتوبته فيما بينه وبين الله ؛ قياسا على إجماع الجميع على أنه لو أصاب شيئا من ذلك وهو للمسلمين سلم ثم صار لهم حربا ، أن حربه إياهم لن يضع عنه حقا لله عز ذكره ولا لآدمي ، فكذلك حكمه إذا أصاب ذلك في خلاء أو باستخفاء وهو غير ممتنع من السلطان بنفسه إن أراده ، ولا له فئة يلجأ إليها مانعة منه . وفي قوله : إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ دليل واضح لمن وفق لفهمه ، أن الحكم الذي ذكره الله في المحاربين يجري في المسلمين والمعاهدين دون المشركين الذين قد نصبوا للمسلمين حربا . وذلك أن ذلك لو كان حكما في أهل الحرب من المشركين دون المسلمين ودون ذمتهم لوجب أو لا يسقط إسلامهم عنهم إذا أسلموا أو تابوا بعد قدرتنا عليهم ما كان لهم قبل إسلامهم وتوبتهم من القتل وما للمسلمين في أهل الحرب من المشركين . وفي إجماع المسلمين أن إسلام المشرك الحربي يضع عنه بعد قدرة المسلمين عليه ما كان واضعه عنه إسلامه قبل القدرة عليه ، ما يدل على أن الصحيح من القول في ذلك من قال : عنى بآية المحاربين في هذا الموضع : حراب أهل الإسلام أو الذمة دون من سواهم من مشركي أهل الحرب . وأما قوله : فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فإن معناه : فاعلموا أيها المؤمنون أن الله غير مؤاخذ من تاب من أهل الحرب لله ولرسوله الساعين في الأرض فسادا وغيرهم بذنوبه ، ولكنه يعفو عنه فيسترها عليه ولا يفضحه بها بالعقوبة في الدنيا والآخرة ، رحيم به في عفوه عنه وتركه عقوبته عليها . القول في تأويل قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ يعني جل ثناؤه بذلك : يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله فيما أخبرهم ووعدهم من الثواب ، وأوعد من العقاب اتَّقُوا اللَّهَ يقول : أجيبوا الله فيما أمركم ونهاكم بالطاعة له في ذلك ، وحققوا إيمانكم وتصديقكم ربكم ونبيكم بالصالح من أعمالكم . وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ يقول : واطلبوا القربة إليه بالعمل بما يرضيه . والوسيلة : هي الفعلية من قول القائل : توسلت إلى فلان بكذا ، بمعنى : تقربت إليه ، ومنه قول عنترة : إن الرجال لهم إليك وسيلة * أن يأخذوك تكحلي وتخضبي يعني بالوسيلة : القربة . ومنه قول الآخر : إذا غفل الواشون عدنا لوصلنا * وعاد التصافي بيننا والوسائل وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا أبو أحمد الزبيري ، قال : ثنا سفيان ح ، وحدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا زيد بن الحباب ، عن سفيان ، عن منصور ، عن أبي وائل : وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ قال : القربة في الأعمال . حدثنا هناد ، قال : ثنا وكيع