محمد بن جرير الطبري

145

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

في إمرته على المدينة في زمن معاوية ، فقال : هذا علي ، جاء تائبا ولا سبيل لكم عليه ولا قتل . قال : فترك من ذلك كله . قال : وخرج علي تائبا مجاهدا في سبيل الله في البحر ، فلقوا الروم ، فقربوا سفينته إلى سفينة من سفنهم ، فاقتحم على الروم في سفينتهم ، فهزموا منه إلى سفينتهم الأخرى ، فمالت بهم وبه فغرقوا جميعا . حدثني أحمد بن حازم ، قال : ثنا أبو نعيم ، قال : ثنا مطرف بن معقل ، قال : سمعت عطاء قال في رجل سرق سرقة فجاء بها تائبا من غير أن يؤخذ : فهل عليه حد ؟ حد المحارب قال : لا ، ثم قال : إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ الآية . حدثنا ابن البرقي ، قال : ثنا ابن أبي مريم ، قال : أخبرنا نافع بن يزيد ، قال : ثني أبو صخر ، عن محمد بن كعب القرظي ، وعن أبي معاوية ، عن سعيد بن جبير ، قالا : إن جاء تائبا لم يقتطع مالا ولم يسفك دما ترك ، فذلك الذي قال الله : إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ حد المحارب يعني بذلك : أنه لم يسفك دما ولم يقتطع مالا . وقال آخرون : بل عنى بالاستثناء في ذلك التائب من حربه الله ورسوله والسعي في الأرض فسادا ، بعد لحاقه في حربه بدار الكفر حد المحارب ؛ فأما إذا كانت حرابته وحربه وهو مقيم في دار الإسلام وداخل في غمار الأمة ، فليست توبته واضعة عنه شيئا من حدود الله ولا من حقوق المسلمين والمعاهدين ، بل يؤخذ بذلك . ذكر من قال ذلك : حدثني علي بن سهل ، قال : ثنا الوليد بن مسلم ، قال : أخبرني إسماعيل ، عن هشام بن عروة : أنه أخبره أنهم سألوا عروة عمن تلصص في الإسلام فأصاب حدودا ثم جاء تائبا ، فقال : لا تقبل توبته ، لو قبل ذلك منهم اجترءوا عليه وكان فسادا كبيرا حد المحارب ، ولكن لوفر إلى العدو ثم جاء تائبا ، لم أر عليه عقوبة . وقد روي عن عروة خلاف هذا القول ، وهو ما : حدثني به علي ، قال : ثنا الوليد ، قال : أخبرني من سمع هشام بن عروة ، عن عروة قال : يقام عليه حد ما فر منه ، ولا يجوز لأحد فيه أمان حد المحارب يعني : الذي يصيب حدا ثم يفر فيلحق الكفار ، ثم يجيء تائبا . وقال آخرون : إن كانت حرابته وحربه في دار الإسلام ، وهو في غير منعة من فئة يلجأ إليها ، ثم جاء تائبا قبل القدرة عليه ، فإن توبته لا تضع عنه شيئا من العقوبة ولا من حقوق الناس حد المحارب . وإن كانت حرابته وحربه في دار الإسلام أو هو لاحق بدار الكفر ، غير أنه في كل ذلك كان يلجأ إلى فئة تمنعه ممن أراده من سلطان المسلمين ، ثم جاء تائبا قبل القدرة عليه ، فإن توبته تضع عنه كل ما كان من أحداثه في أيام حرابته تلك ، إلا أن يكون أصاب حدا أو أمر الرفقة بما فيه عقوبة أو غرم لمسلم أو معاهد ، وهو غير ملتجئ إلى فئة تمنعه ، فإنه يؤخذ بما أصاب من ذلك وهو كذلك ، ولا يضع ذلك عنه توبته . ذكر من قال ذلك : حدثني علي بن سهل ، قال : ثنا الوليد ، قال : قال أبو عمرو : إذا قطع الطريق لص أو جماعة من اللصوص ، فأصابوا ما أصابوا من الدماء والأموال ولم يكن لهم فئة يلجئون إليها ولا منعة ولا يأمنون إلا بالدخول في غمار أمتهم وسواد عامتهم حد المحارب ، ثم جاء تائبا من قبل أن يقدر عليه ، لم تقبل توبته وأقيم عليه حده ما كان . حدثني علي ، قال : ثنا الوليد ، قال : ذكرت لأبي عمرو قول عروة : يقام عليه حد ما فر منه ، ولا يجوز لأحد فيه أمان حد المحارب . فقال أبو عمرو : إن فر من حدثه في دار الإسلام فأعطاه إمام أمانا ، لم يجز أمانه . وإن هو لحق بدار الحرب ، ثم سأل إماما على أحداثه ، لم ينبغ للإمام أن يعطيه أمانا ، وإن أعطاه الإمام أمانا وهو غير عالم بأحداثه ، فهو آمن ، وإن جاء أحد يطلبه بدم أو مال ، رد إلى مأمنه ، فإن أبى أن يرجع فهو آمن ، ولا يتعرض له . قال : وإن أعطاه أمانا على أحداثه وهو يعرفها ، فالإمام ضامن واجب عليه عقل ما كان أصاب من دم أو مال ، وكان فيما عطل من تلك الحدود والدماء آثما ، وأمره إلى الله جل وعز . قال : وقال أبو عمرو : فإذا أصاب ذلك وكانت له منعة أو فئة يلجأ إليها ، أو لحق بدار الحرب فارتد عن الإسلام ، أو كان مقيما عليه ثم جاء تائبا من قبل أن يقدر عليه ، قبلت توبته ، ولم يتبع بشيء من أحداثه التي أصابها في حربه ، إلا أن يوجد معه شيء قائم بعينه فيرد إلى صاحبه . حدثني علي ، قال : ثنا الوليد ، قال : أخبرني ابن لهيعة ، عن ربيعة ، قال : تقبل توبته ، ولا يتبع بشيء من أحداثه