محمد بن جرير الطبري
144
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ حد المحارب وتوبته من قبل أن يقدر عليه أن يكتب إلى الإمام يستأمنه على ما قتل وأفسد في الأرض : فإن لم يومني على ذلك ازددت فسادا وقتلا وأخذا للأموال أكثر مما فعلت ذلك قبل . فعلى الإمام من الحق أن يؤمنه على ذلك ، فإذا أمنه الإمام جاء حتى يضع يده في يد الإمام . فليس لأحد من الناس أن يتبعه ولا يأخذه بدم سفكه ولا مال أخذه ، وكل مال كان له فهو له ، لكيلا يقتل المؤمنين أيضا ويفسده . فإذا رجع إلى الله جل وعز فهو وليه يأخذه بما صنع . وتوبته فيما بينه وبين الإمام والناس ، فإذا أخذه الإمام وقد تاب فيما يزعم إلى الله جل ثناؤه قبل أن يؤمنه الإمام فليقم عليه الحد . حدثنا علي بن سهل ، قال : ثنا الوليد بن مسلم ، عن سعيد بن عبد العزيز ، أخبرني مكحول ، أنه قال : حد المحارب إذا أعطاه الإمام أمانا ، فهو آمن ولا يقام عليه الحد ما كان أصاب . وقال آخرون : معنى ذلك : كل من جاء تائبا من الحراب قبل القدرة عليه حد المحارب ، استأمن الإمام فأمنه أو لم يستأمنه بعد أن يجيء مستسلما تاركا للحرب . ذكر من قال ذلك : حدثني المثني ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا محمد بن فضيل ، عن أشعث ، عن عامر ، قال : جاء رجل من مراد إلى أبي موسى وهو على الكوفة في إمرة عثمان بعد ما صلى المكتوبة ، فقال : يا أبا موسى هذا مقام العائذ بك ، أنا فلان ابن فلان المرادي ، كنت حاربت الله ورسوله وسعيت في الأرض ، وإني تبت من قبل أن يقدر علي حد المحارب . فقام أبو موسى فقال : هذا فلان ابن فلان ، وإنه كان حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادا ، وإنه تاب قبل أن يقدر عليه ، فمن لقيه فلا يعرض له إلا بخير . فأقام الرجل ما شاء الله ، ثم إنه خرج ، فأدركه الله بذنوبه فقتله . حدثني الحارث بن محمد ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا سفيان ، عن إسماعيل السدي ، عن الشعبي قال : جاء رجل إلى أبي موسى ، فذكر نحوه . حدثني علي بن سهل ، قال : ثنا الوليد بن مسلم ، قال : قلت لمالك : أرأيت هذا المحارب الذي قد أخاف السبيل وأصاب الدم والمال ، فلحق بدار الحرب أو تمنع في بلاد الإسلام ، ثم جاء تائبا من قبل أن يقدر عليه ؟ حد المحارب قال : تقبل توبته . قال : قلت : فلا يتبع بشيء من أحداثه ؟ قال : لا ، إلا أن يوجد معه مال بعينه فيرد إلى صاحبه ، أو يطلبه ولي من قتل بدم في حربه يثبت ببينة أو اعتراف فيقاد به ؛ وأما الدماء التي أصابها ولم يطلبها أولياؤها فلا يتبعه الإمام بشيء . قال علي : قال الوليد : فذكرت ذلك لأبي عمرو ، فقال : تقبل توبته إذا كان محاربا للعامة والأئمة قد آذاهم بحربه فشهر سلاحه وأصاب الدماء والأموال ، فكانت له منعة أو فئة يلجأ إليهم ، أو لحق بدار الحرب فارتد عن الإسلام ، أو كان مقيما عليه ثم جاء تائبا من قبل أن يقدر عليه ، قبلت توبته ولم يتبع بشيء منه . حدثني علي ، قال : ثنا الوليد ، قال : قال أبو عمرو : سمعت ابن شهاب الزهري يقول ذلك . حدثني علي بن سهل ، قال : ثنا الوليد ، قال : فذكرت قول أبي عمرو ومالك لليث بن سعد في هذه المسألة ، فقال : إذا أعلن بالمحاربة للعامة والأئمة وأصاب الدماء والأموال ، فامتنع بمحاربته من الحكومة عليه ، أو لحق بدار الحرب ثم جاء تائبا من قبل أن يقدر عليه ، قبلت تويته ولم يتبع بشيء من أحداثه في حربه من دم خاصة ولا عامة وإن طلبه وليه . حدثني علي ، قال : ثنا الوليد ، قال : قال الليث : وكذلك ثني موسى بن إسحاق المدني ، وهو الأمير عندنا : أن عليا الأسدي حارب وأخاف السبيل وأصاب الدم والمال ، فطلبته الأئمة والعامة ، فامتنع ولم يقدر عليه ، حتى جاء تائبا ؛ وذلك أنه سمع رجلا يقرأ هذه الآية : يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ الآية ، فوقف عليه فقال : يا عبد الله ، أعد قراءتها فأعادها عليه . فغمد سيفه ، ثم جاء تائبا ، حتى قدم المدينة من السحر ، فاغتسل ، ثم أتى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فصلى الصبح ، ثم قعد إلى أبي هريرة في غمار أصحابه ؛ فلما أسفر عرفه الناس وقاموا إليه ، فقال : لا سبيل لكم علي ، جئت تائبا من قبل أن تقدروا علي فقال أبو هريرة : صدق حد المحارب . وأخذ بيده أبو هريرة حتى أني مروان بن الحكم