محمد بن جرير الطبري
140
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
له الخيار في الحكم على المحارب من أجل أن " أو " تأتي بمعنى التخيير ، وقيل له : فكيف كان له الخيار في القتل أو النفي أو القطع ولم يكن له الخيار في الصلب وحده ، حتى تجمع إليه عقوبة أخرى ؟ وقيل له : هل بينك وبين من جعل الخيار حيث أبيت وأبي ذلك حيث جعلته له ، فرق من أصل أو قياس ؟ فلن يقول في أحدهما قولا إلا ألزم في الآخر مثله . وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتصحيح ما قلنا في ذلك بما في إسناده نظر . وذلك ما . حدثنا به علي بن سهل ، قال : ثنا الوليد بن مسلم ، عن ابن لهيعة ، عن يزيد بن أبي حبيب : أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس بن مالك يسأله عن هذه الآية ، فكتب إليه أنس يخبره أن هذه الآية نزلت في أولئك النفر العرنيين ، وهم من بجيلة . قال أنس : فارتدوا عن الإسلام ، وقتلوا الراعي ، وساقوا الإبل ، وأخافوا السبيل ، وأصابوا الفرج الحرام . قال أنس : فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام عن القضاء فيمن حارب ، فقال : " من سرق وأخاف السبيل فاقطع يده بسرقته ورجله بإخافته . ومن قتل فاقتله . ومن قتل وأخاف السبيل واستحل الفرج الحرام فأصلبه " . وأما قوله : أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ فإنه يعني جل ثناؤه : أنه تقطع أيديهم مخالفا في قطعها قطع أرجلهم ، حد المحارب وذلك أن تقطع أيمن أيديهم وأشمل أرجلهم ، فذلك الخلاف بينهما في القطع . ولو كان مكان " من " في هذا الموضع " على " أو الباء ، فقيل : أو تقطع أيديهم وأرجلهم على خلاف أو بخلاف ، لأديا عما أدت عنه " من " من المعنى . واختلف أهل التأويل في معنى النفي الذي ذكر الله في هذا الموضع حد المحارب . فقال بعضهم : هو أن يطلب حتى يقدر عليه ، أو يهرب من دار الإسلام . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قوله : أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ حد المحارب قال : يطلبهم الإمام بالخيل والرجال حتى يأخذهم ، فيقيم فيهم الحكم ، أو ينفوا من أرض المسلمين . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس قال : نفيه : حد المحارب أن يطلب . حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ حد المحارب يقول : أو يهربوا حتى يخرجوا من دار الإسلام إلى دار الحرب . حدثني علي بن سهل ، قال : ثنا الوليد بن مسلم ، قال : أخبرني عبد الله بن لهيعة ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن كتاب أنس بن مالك ، إلى عبد الملك بن مروان : أنه كتب إليه : " ونفيه حد المحارب : أن يطلبه الإمام حتى يأخذه ، فإذا أخذه أقام عليه إحدى هذه المنازل التي ذكر الله جل وعز بما استحل " . حدثني علي بن سهل ، قال : ثنا الوليد ، قال : فذكرت ذلك لليث بن سعد ، فقال : نفيه حد المحارب : طلبه من بلد إلى بلد حتى يؤخذ ، أو يخرجه طلبه من دار الإسلام إلى دار الشرك والحرب ، إذا كان محاربا مرتدا عن الإسلام . قال الوليد : وسألت مالك بن أنس ، فقال مثله . حدثني علي ، قال : ثنا الوليد ، قال : قلت لمالك بن أنس والليث بن سعد : حد المحارب وكذلك يطلب المحارب المقيم على إسلامه ، يضطره بطلبه من بلد إلى بلد حتى يصير إلى ثغر من ثغور المسلمين ، أو أقصى جوار المسلمين ، فإن هم طلبوه دخل دار الشرك ؟ قالا : لا يضطر مسلم إلى ذلك . حدثنا هناد بن السري ، قال : ثنا هشيم ، عن جويبر ، عن الضحاك : أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ حد المحارب قال : أن يطلبوه حتى يعجزوا . حدثت عن الحسين بن الفرج ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثني عبيد بن سليمان ، قال : سمعت الضحاك يقول ، فذكر نحوه . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا حفص بن غياث ، عن عاصم ، عن الحسن : أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ حد المحارب قال : ينفى حتى لا يقدر عليه . حدثني المثني ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله ، عن أبيه عن الربيع بن أنس في قوله : أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ حد المحارب قال : أخرجوا من الأرض أينما أدركوا ، أخرجوا حتى يلحقوا بأرض العدو . حدثنا الحسن ، قال : ثنا عبد الرزاق ، قال : ثنا معمر ، عن الزهري في قوله : أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ قال : نفيه : أن يطلب فلا يقدر عليه ، كلما سمع