محمد بن جرير الطبري

141

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

به في أرض طلب . حدثني علي بن سهل ، قال : ثنا الوليد بن مسلم ، قال : أخبرني سعيد ، عن قتادة : أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ حد المحارب قال : إذا لم يقتل ولم يأخذ مالا ، طلب حتى يعجز . حدثني ابن البرقي ، قال : ثنا ابن أبي مريم ، قال : أخبرني نافع بن يزيد ، قال : ثني أبو صخر ، عن محمد بن كعب القرظي ، وعن أبي معاوية ، عن سعيد بن جبير : أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ من أرض الإسلام إلى أرض الكفر . وقال آخرون : معنى النفي في هذا الموضع : حد المحارب أن الإمام إذا قدر عليه نفاه من بلدته إلى بلدة أخرى غيرها . ذكر من قال ذلك : حدثني المثني ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن قيس بن سعد ، عن سعيد بن جبير : أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ قال : من أخاف سبيل المسلمين نفي من بلدة إلى غيره ، لقول الله عز وجل : أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ حد المحارب حدثني المثني ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني الليث ، قال : ثني يزيد بن أبي حبيب وغيره ، عن حبان بن شريح ، أنه كتب إلى عمر بن عبد العزيز في اللصوص ، ووصف له لصوصيتهم وحبسهم في السجون ، قال : قال الله في كتابه : إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ ، وترك : أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ حد المحارب فكتب إليه عمر بن عبد العزيز : أما بعد ، فإنك كتبت إلي تذكر قول الله جل وعز : إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ ، وتركت قول الله : أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ، فنبي أنت يا حبان ابن أم حبان لا تحرك الأشياء عن مواضعها ، أتجردت للقتل والصلب كأنك عبد بني عقيل من غير ما أشبهك به ؟ إذا أتاك كتابي هذا فانفهم إلى شغب . حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : ثني الليث ، عن يزيد وغيره بنحو هذا الحديث ، غير أن يونس قال في حديثه : كأنك عبد بني أبي عقال من غير أن أشبهك به . حدثني يونس ، قال أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني ابن لهيعة ، عن يزيد بن أبي حبيب ، أن الصلت كاتب حبان بن شريح ، أخبرهم أن حبان كتب إلى عمر بن عبد العزيز : أن ناسا من القبط قامت عليهم البينة بأنهم حاربوا الله ورسوله وسعوا في الأرض فسادا ، وأن الله يقول : إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ حد المحارب وسكت عن النفي ، وكتب إليه : فإن رأى أمير المؤمنين أن يمضي قضاء الله فيهم ، فليكتب بذلك . فلما قرأ عمر بن عبد العزيز كتابه ، قال : لقد اجتزأ حبان . ثم كتب إليه إنه قد بلغني كتابك وفهمته ، ولقد اجتزأت كأنما كتبت بكتاب يزيد بن أبي مسلم أو علج صاحب العراق من غير أن أشبهك بهما ، فكتبت بأول الآية ثم سكت عن آخرها ، وإن الله يقول : أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ فإن كانت قامت عليهم البينة بما كتبت به ، فاعقد في أعناقهم حديدا ، ثم غيبهم إلى شغب وبدا . قال أبو جعفر : شغب وبدا : موضعان . وقال آخرون : معنى النفي من الأرض في هذا الموضع : الحبس ، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه . وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب في قول من قال : معنى النفي من الأرض في هذا الموضع : حد المحارب هو نفيه من بلد إلى بلد غيره وحبسه في السجن في البلد الذي نفي إليه ، حتى ظهر توبته من فسوقه ونزوعه عن معصيته ربه . وإنما قلت ذلك أولى الأقوال بالصحة ، لأن أهل التأويل اختلفوا في معنى ذلك على أحد الأوجه الثلاثة التي ذكرت . وإذ كان ذلك كذلك ، وكان معلوما أن الله جل ثناؤه إنما جعل جزاء المحارب : القتل أو الصلب ، أو قطع اليد والرجل من خلاف ، بعد القدرة عليه لا في حال امتناعه ؛ كان معلوما أن النفي أيضا إنما هو جزاؤه بعد القدرة عليه لا قبلها ، ولو كان هروبه من الطلب نفيا له من الأرض ، كان قطع يده ورجله من خلاف في حال امتناعه وحربه على وجه القتال بمعنى إقامة الحد عليه بعد القدرة عليه . وفي إجماع الجميع أن ذلك