محمد بن جرير الطبري
139
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
حد المحارب قال : ذلك إلى الإمام . واعتل قائلوا هذه المقالة الإمام فيه بالخيار أن يفعل أي هذه الأشياء التي ذكرها . . . بأن قالوا : وجدنا العطوف التي بأو في القرآن بمعنى التخيير في كل ما أوجب الله به فرضا منها ، وذلك كقوله في كفارة اليمين : فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ، وكقوله : فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ، وكقوله : فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً قالوا : فإذا كانت العطوف التي بأو في القرآن في كل ما أوجب الله به فرضا منها في سائر القرآن بمعنى التخيير ، فكذلك ذلك في آية المحاربين الإمام مخير فيما رأى الحكم به على المحارب حد المحارب إذا قدر عليه قبل التوبة . وأولى التأويلين بالصواب في ذلك عندنا تأويل من أوجب على المحارب حد المحارب من العقوبة على قدر استحقاقه وجعل الحكم على المحاربين مختلفا باختلاف أفعالهم ، فأوجب على مخيف السبيل منهم إذا قدر عليه قبل التوبة وقبل أخذ مال أو قتل : النفي من الأرض ؛ وإذا قدر عليه بعد أخذ المال وقتل النفس المحرم قتلها : الصلب ؛ لما ذكرت من العلة قبل لقائلي هذه المقالة . فأما ما اعتل به القائلون : إن الإمام فيه بالخيار من أن " أو " في العطف تأتي بمعنى التخيير في الفرض ، فنقول : لا معنى له ، لأن " أو " في كلام العرب قد تأتي بضروب من المعاني لولا كراهة إطالة الكتاب بذكرها لذكرتها ، وقد بينت كثيرا من معانيها فيما مضى وسنأتي على باقيها فيما يستقبل في أماكنها إن شاء الله . فأما في هذا الموضع فإن معناها : التعقيب ، وذلك نظير قول القائل : إن جزاء المؤمنين عند الله يوم القيامة أن يدخلهم الجنة ، أو يرفع منازلهم في عليين ، أو يسكنهم مع الأنبياء والصديقين . فمعلوم أن قائل ذلك غير قاصد بقيله إلى أن جزاء كل مؤمن آمن بالله ورسوله ، فهو في مرتبة واحدة من هذه المراتب ومنزلة واحدة من هذه المنازل بإيمانه ، بل المعقول عنه أن معناه : أن جزاء المؤمن لن يخلو عند الله من بعض هذه المنازل ، فالمقتصد منزلته دون منزلة السابق بالخيرات ، والسابق بالخيرات أعلى منه منزلة ، والظالم لنفسه دونهما ، وكل في الجنة كما قال جل ثناؤه : جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها فكذلك معنى العطوف بأو في قوله : إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ . . . الآية ، إنما هو التعقيب . فتأويله : إن الذي يحارب الله ورسوله ، ويسعى في الأرض فسادا ، لن يخلو من أن يستحق الجزاء بإحدى هذه الخلال الأربع التي ذكرها الله عز ذكره ، لا أن الإمام محكم فيه ، ومخير في أمره كائنة ما كانت حالته ، عظمت جريرته أو خفت ؛ لأن ذلك لو كان كذلك لكان للإمام قتل من شهر السلاح مخيفا السبيل وصلبه ، وإن لم يأخذ مالا ولا قتل أحدا ، وكان له نفي من قتل وأخذ المال وأخاف السبيل . وذلك قول إن قاله قائل خلاف ما صحت به الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله : " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : رجل قتل رجلا فقتل ، أو زنى بعد إحصان فرجم ، أو ارتد عن دينه " وخلاف قوله : " القطع في ربع دينار فصاعدا " وغير المعروف من أحكامه . فإن قال قائل : فإن هذه الأحكام التي ذكرت كانت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غير المحارب ، وللمحارب حكم غير ذلك منفرد به ؟ قيل له : فما الحكم الذي انفرد به المحارب في سننه ، فإن ادعى عنه صلى الله عليه وسلم حكما خلاف الذي ذكرنا ، أكذبه جميع أهل العلم ، لأن ذلك غير موجود بنقل واحد ولا جماعة ، وإن زعم أن ذلك الحكم هو ما في ظاهر الكتاب . قيل له : فإن أحسن حالاتك أن يسلم لك أن ظاهر الآية قد يحتمل ما قلت ، وما قاله من خالفك فما برهانك على أن تأويلك أولى بتأويل الآية من تأويله . وبعد : فإذا كان الإمام مخيرا في الحكم على المحارب من أجل أن " أو " بمعنى التخيير في هذا الموضع عندك ، أفله أن يصلبه حيا ويتركه على الخشبة مصلوبا حتى يموت من غير قتله ؟ فإن قال : ذلك له ، خالف في ذلك الأمة . وإن زعم أن ذلك ليس له ، وإنما له قتله ثم صلبه أو صلبه ثم قتله ، ترك علته من أن الإمام إنما كان