محمد بن جرير الطبري

125

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

فإذا كان لله جل وعز معصية ، فكيف جاز أن يريد ذلك منه المقتول ويقول : إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وقد ذكرت أن تأويل ذلك : إني أريد أن تبوء بإثم قتلي ؟ فمعناه : إني أريد أن تبوء بإثم قتلي إن قتلتني لأني لا أقتلك ، فإن أنت قتلتني فإني مريد أن تبوء بإثم معصيتك الله في قتلك إياي . وهو إذا قتله ، فهو لا محالة باء به في حكم الله ، فإرادته ذلك غير موجبة له الدخول في الخطأ . ويعني بقوله : فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ يقول : فتكون بقتلك إياي من سكان الجحيم ، ووقود النار المخلدين فيها . وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ يقول : والنار ثواب التاركين طريق الحق الزائلين عن قصد السبيل ، المتعدين ما جعل لهم إلى ما لم يجعل لهم . وهذا يدل على أن الله عز ذكره قد كان أمر ونهى آدم بعد أن أهبطه إلى الأرض ، ووعد وأوعد ، ولولا ذلك ما قال المقتول للقائل : فتكون من أصحاب النار بقتلك إياي ، ولا أخبره أن ذلك جزاء الظالمين . فكان مجاهد يقول : علقت إحدى رجلي القاتل بساقها إلى فخذها من يومئذ إلى يوم القيامة ، ووجهه في الشمس حيثما دارت دار ، عليه في الصيف حظيرة من نار وعليه في الشتاء حظيرة من ثلج . حدثنا بذلك القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، قال : قال ابن جريج ، قال مجاهد ذلك . قال : وقال عبد الله بن عمرو : إنا لنجد ابن آدم القاتل يقاسم أهل النار قسمة صحيحة العذاب ، عليه شطر عذابهم . وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو ما روي عن عبد الله بن عمرو خبر . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، وحدثنا سفيان ، قال : ثنا جرير وأبو معاوية ح ، وحدثنا هناد ، قال : ثنا أبو معاوية ، ووكيع جميعا ، عن الأعمش ، عن عبد الله بن مرة عن مسروق ، عن عبد الله ، قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " ما من نفس تقتل ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها ، ذلك بأنه أول من سن القتل " حدثنا سفيان ، قال : ثنا أبي ح ، وحدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن جميعا ، عن سفيان ، عن الأعمش ، عن عبد الله بن مرة ، عن مسروق ، عن عبد الله ، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن حسن بن صالح ، عن إبراهيم بن مهاجر عن إبراهيم النخعي ، قال : ما من مقتول يقتل ظلما ، إلا كان على ابن آدم الأول والشيطان كفل منه . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن حكيم بن حكيم ، أنه حدث عن عبد الله بن عمرو ، أنه كان يقول : إن أشقى الناس رجلا لابن آدم الذي قتل أخاه ، ما سفك دم في الأرض منذ قتل أخاه إلى يوم القيامة إلا لحق به منه شيء ، وذلك أنه أول من سن القتل . وبهذا الخبر الذي ذكرنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تبين أن القول الذي قاله الحسن في ابني آدم اللذين ، ذكرهما الله في هذا الموضع أنهما ليسا بابني آدم لصلبه ، ولكنهما رجلان من بني إسرائيل ، وأن القول الذي حكي عنه ، أن أول من مات آدم ، وأن القربان الذي كانت النار تأكله لم يكن إلا في بني إسرائيل خطأ ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخبر عن هذا القاتل الذي قتل أخاه . أنه أول من سن القتل ، وقد كان لا شك القتل قبل إسرائيل ، فكيف قبل ذريته وخطأ من القول أن يقال : أول من سن القتل رجل من بني إسرائيل . وإذ كان ذلك كذلك ، فمعلوم أن الصحيح من القول هو قول من قال : هو ابن آدم لصلبه ، لأنه أول من سن القتل ، فأوجب الله له من العقوبة ما روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . القول في تأويل قوله تعالى : فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ يعني جل ثناؤه بقوله فَطَوَّعَتْ فأقامته وساعدته عليه . وهو " فعلت " من الطوع ، من قول القائل : طاعني هذا الأمر : إذا انقاد له . وقد اختلف أهل التأويل في تأويله ، فقال بعضهم : معناه : فشجعت له نفسه قتل أخيه . ذكر من قال ذلك : حدثني نصر بن عبد الرحمن الأودي ومحمد بن حميد ، قالا : ثنا حكام بن سلم ، عن عنبسة ، عن ابن أبي ليلى ، عن القاسم بن أبي بزة ، عن مجاهد :