محمد بن جرير الطبري
104
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
والذي رفع الطور ، وناشده بالمواثيق التي أخذت عليهم ، حتى أخذه أفكل ، فقال : إن نساءنا نساء حسان ، فكثر فينا القتل ، فاختصرنا أخصورة ، فجلدنا مئة ، وحلقنا الرؤوس ، وخالفنا بين الرؤوس إلى الدواب أحسبه قال : الإبل قال : فحكم عليهم بالرجم ، فأنزل الله فيهم : يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ الآية ، وهذه الآية : وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَ تُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ قوله : وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ يعني بقوله ويعفو : ويترك أخذكم بكثير مما كنتم تخفون من كتابكم الذي أنزله الله إليكم ، وهو التوراة ، فلا تعملون به حتى يأمره الله بأخذكم به . القول في تأويل قوله تعالى : قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ يقول جل ثناؤه لهؤلاء الذين خاطبهم من أهل الكتاب : قد جاءكم يا أهل التوراة والإنجيل من الله نور ، يعني بالنور محمد صلى الله عليه وسلم ، الذي أنار الله به الحق ، وأظهر به الإسلام ، ومحق به الشرك فهو نور لمن استنار به يبين الحق ، ومن إنارته الحق تبيينه لليهود كثيرا مما كانوا يخفون من الكتاب . وقوله : وَكِتابٌ مُبِينٌ يقول جل ثناؤه : قد جاءكم من الله تعالى النور الذي أنار لكم به معالم الحق . وَكِتابٌ مُبِينٌ يعني : كتابا فيه بيان ما اختلفوا فيه بينهم من توحيد الله وحلاله وحرامه وشرائع دينه ، وهو القرآن الذي أنزله على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، يبين للناس جميع ما بهم الحاجة إليه من أمر دينهم ويوضحه لهم ، حتى يعرفوا حقه من باطله . القول في تأويل قوله تعالى : يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ يعني عز ذكره : يهدي بهذا الكتاب المبين الذي جاء من الله جل جلاله ، ويعني بقوله : يَهْدِي بِهِ اللَّهُ يرشد به الله ويسدد به . والهاء في قوله به عائدة على الكتاب . مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ يقول : من اتبع رضا الله . واختلف في معنى الرضا من الله جل وعز ، فقال بعضهم : الرضا منه بالشيء : القبول له والمدح والثناء . قالوا : فهو قابل الإيمان ومزك له ، ومثن على المؤمن بالإيمان ، وواصف الإيمان بأنه نور وهدى وفصل . وقال آخرون : معنى الرضا من الله جل وعز معنى مفهوم ، هو خلاف السخط ، وهو صفة من صفاته على ما يعقل من معاني الرضا ، الذي هو خلاف السخط ، وليس ذلك بالمدح ، لأن المدح والثناء قول ، وإنما يثنى ويمدح ما قد رضي ؛ قالوا : فالرضا معنى ، والثناء والمدح معنى ليس به . ويعني بقوله : سُبُلَ السَّلامِ طرق السلام ، والسلام هو الله عز ذكره . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ سبيل الله الذي شرعه لعباده ، ودعاهم إليه ، وابتعث به رسله ، وهو الإسلام الذي لا يقبل من أحد عملا إلا به ، لا اليهودية ، ولا النصرانية ، ولا المجوسية . القول في تأويل قوله تعالى : وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ يقول عز ذكره : يهدي الله بهذا الكتاب المبين من اتبع رضوان الله إلى سبل السلام ، وشرائع دينه . وَيُخْرِجُهُمْ يقول : ويخرج من اتبع رضوانه ، والهاء والميم في : ويخرجهم إلى من ذكر من الظلمات إلى النور ، يعني : من ظلمات الكفر والشرك إلى نور الإسلام وضيائه بِإِذْنِهِ يعني : بإذن الله جل وعز . وإذنه في هذا الموضع تحبيبه إياه الإيمان برفع طابع الكفر عن قلبه ، وخاتم الشرك عنه ، وتوفيقه لإبصار سبل السلام . القول في تأويل قوله تعالى : وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يعني عز ذكره بقوله : وَيَهْدِيهِمْ ويرشدهم ويسددهم إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يقول : إلى طريق مستقيم ، وهو دين الله القويم الذي لا اعوجاج فيه . القول في تأويل قوله تعالى : لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ هذا ذم من الله عز ذكره للنصارى والنصرانية الذين ضلوا عن سبل السلام ، واحتجاج منه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم في فريتهم عليه بادعائهم له ولدا ، يقول جل ثناؤه : أقسم لقد كفر الذين قالوا : إن الله هو المسيح ابن مريم ، وكفرهم في ذلك تغطيتهم الحق في تركهم نفي الولد عن الله جل وعز ، وادعائهم أن المسيح