محمد بن جرير الطبري

105

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

هو الله فرية وكذبا عليه . وقد بينا معنى المسيح فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً . . . فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد للنصارى الذين افتروا علي ، وضلوا عن سواء السبيل ، بقيلهم : إن الله هو المسيح ابن مريم فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً يقول : من الذي يطيق أن يدفع من أمر الله جل وعز شيئا ، فيرده إذا قضاه ؛ من قول القائل : ملكت على فلان أمره : إذا صار لا يقدر أن ينفذ أمرا إلا به . وقوله : إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً يقول : من ذا الذي يقدر أن يرد من أمر الله شيئا إن شاء أن يهلك المسيح ابن مريم بإعدامه من الأرض وإعدام أمه مريم ، وإعدام جميع من في الأرض من الخلق جميعا . يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل لهؤلاء الجهلة من النصارى لو كان المسيح كما يزعمون أنه هو الله ، وليس كذلك لقدر أن يرد أمر الله إذا جاءه بإهلاكه وإهلاك أمه ، وقد أهلك أمه فلم يقدر على دفع أمره فيها إذ نزل ذلك ، ففي ذلك لكم معتبر إن اعتبرتم ، وحجة عليكم إن عقلتم في أن المسيح بشر كسائر بني آدم ، وأن الله عز وجل هو الذي لا يغلب ولا يقهر ولا يرد له أمر ، بل هو الحق الدائم القيوم الذي يحيي ويميت ، وينشئ ويفني ، وهو حي لا يموت . القول في تأويل قوله تعالى : وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ يعني تبارك وتعالى بذلك : والله له تصريف ما في السماوات والأرض وما بينهما ، يعني : وما بين السماء والأرض ، يهلك من يشاء من ذلك ، ويبقي ما يشاء منه ، ويوجد ما أراد ، ويعدم ما أحب ، لا يمنعه من شيء أراد من ذلك مانع ، ولا يدفعه عنه دافع ؛ ينفذ فيهم حكمه ، ويمضي فيهم قضاءه ، لا المسيح الذي إن أراد إهلاكه ربه وإهلاك أمه ، لم يملك دفع ما أراد به ربه من ذلك . يقول جل وعز : كيف يكون إلها يعبد من كان عاجزا عن دفع ما أراد به غيره من السوء ، وغير قادر على صرف ما نزل به من الهلاك ؟ بل الإله المعبود الذي له ملك كل شيء ، وبيده تصريف كل من في السماء والأرض وما بينهما . فقال جل ثناؤه : وَما بَيْنَهُما ، وقد ذكر السماوات بلفظ الجمع ، ولم يقل : وما بينهن ، لأن المعنى : وما بين هذين النوعين من الأشياء ، كما قال الراعي : طرقا فتلك هماهمي أقريهما * قلصا لواقح كالقسي وحولا فقال : طرقا ، مخبرا عن شيئين ، ثم قال : فتلك هماهمي ، فرجع إلى معنى الكلام . وقوله : يَخْلُقُ ما يَشاءُ يقول : جل ثناؤه : وينشئ ما يشاء ويوجده ، ويخرجه من حال العدم إلى حال الوجود ، ولن يقدر على ذلك غير الله الواحد القهار ، وإنما يعني بذلك أن له تدبير السماوات والأرض وما بينهما ، وتصريفه وإفناءه وإعدامه ، وإيجاد ما يشاء مما هو غير موجود ولا منشأ ، يقول : فليس ذلك لأحد سواي ، فكيف زعمتم أيها الكذبة أن المسيح إله ، وهو لا يطيق شيئا من ذلك ، بل لا يقدر على دفع الضرر عن نفسه ، ولا عن أمه ، ولا اجتلاب نفع إليها ، إلا بإذني . القول في تأويل قوله تعالى : وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يقول عز ذكره : الله المعبود هو القادر على كل شيء ، والمالك كل شيء ، الذي لا يعجزه شيء أراده ، ولا يغلبه شيء طلبه ، المقتدر على هلاك المسيح وأمه ومن في الأرض جميعا ، لا العاجز الذي لا يقدر على منع نفسه من ضر نزل به من الله ولا منع أمه من الهلاك . القول في تأويل قوله تعالى : وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ وهذا خبر من الله جل وعز عن قوم من اليهود والنصارى أنهم قالوا هذا القول . وقد ذكر عن ابن عباس تسمية الذين قالوا ذلك من اليهود . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا يونس بن بكير ، عن محمد بن إسحاق ، قال : ثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، قال : ثني سعيد بن جبير ، أو عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نعمان بن أضاء وبحري بن عمرو ، وشأس بن عدي ، فكلموه ، فكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى الله