محمد بن جرير الطبري

103

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

ثنا أبو سفيان ، عن معمر ، عن قتادة ، قال : هم اليهود والنصارى ، أغرى الله بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة . وقال آخرون : بل عنى الله بذلك : النصارى وحدها . وقالوا : معنى ذلك : فأغرينا بين النصارى عقوبة لها بنسيانها حظا مما ذكرت به . قالوا : وعليها عادت الهاء والميم في بينهم دون اليهود . ذكر من قال ذلك : حدثني المثني بن إبراهيم ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع قال : إن الله عز ذكره تقدم إلى بني إسرائيل أن لا تشتروا بآيات الله ثمنا قليلا ، وعلموا الحكمة ولا تأخذوا عليها أجرا . فلم يفعل ذلك إلا قليل منهم ، فأخذوا الرشوة في الحكم وجاوزوا الحدود ، فقال في اليهود حيث حكموا بغير ما أمر الله : وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وقال في النصارى : فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وأولى التأويلين بالآية عندي ما قاله الربيع بن أنس ، وهو أن المعني بالإغراء بينهم : النصارى في هذه الآية خاصة ، وأن الهاء والميم عائدتان على النصارى دون اليهود ، لأن ذكر الإغراء في خبر الله عن النصارى بعد تقضي خبره عن اليهود ، وبعد ابتدائه خبره عن النصارى ، فأن لا يكون ذلك معنيا به إلا النصارى خاصة أولى من أن يكون معنيا به الحزبان جميعا لما ذكرنا . فإن قال قائل : وما العداوة التي بين النصارى ، فتكون مخصوصة بمعنى ذلك ؟ قيل : ذلك عداوة النسطورية واليعقوبية والملكية النسطورية واليعقوبية ، وليس الذي قاله من قال معنى بذلك : إغراء الله بين اليهود والنصارى ببعيد ، غير أن هذا أقرب عندي وأشبه بتأويل الآية لما ذكرنا . القول في تأويل قوله تعالى : وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : اعف عن هؤلاء الذين هموا ببسط أيديهم إليك وإلى أصحابك ، واصفح فإن الله من وراء الانتقام منهم ، وسينبئهم الله عند ورودهم الله عليه في معادهم بما كانوا في الدنيا يصنعون من نقضهم ميثاقه ، ونكثهم عهده ، وتبديلهم كتابه ، وتحريفهم أمره ونهيه ، فيعاقبهم على ذلك حسب استحقاقهم . القول في تأويل قوله تعالى : يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يقول عز ذكره لجماعة أهل الكتاب من اليهود والنصارى الذين كانوا في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، قد جاءكم رسولنا ، يعني محمدا صلى الله عليه وسلم ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا وهو محمد صلى الله عليه وسلم . وقوله : يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ يقول : يبين لكم محمد رسولنا كثيرا مما كنتم تكتمونه الناس ولا تبينونه لهم مما في كتابكم . وكان مما يخفونه من كتابهم فبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس : رجم الزانيين المحصنين . وقيل : إن هذه الآية نزلت في تبيين رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس من إخفائهم ذلك من كتابهم . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يحيى بن واضح ، قال : ثنا الحسين بن واقد ، عن يزيد النحوي ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : من كفر بالرجم فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب ، قوله : يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ فكان الرجم مما أخفوا . حدثنا عبد الله بن أحمد بن شبويه ، أخبرنا علي بن الحسين ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا يزيد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، مثله . حدثني المثني ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الوهاب الثقفي ، عن خالد الحذاء ، عن عكرمة في قوله : يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ إلى قوله : صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ قال : أن نبي الله أتاه اليهود يسألونه عن الرجم ، واجتمعوا في بيت ، قال : " أيكم أعلم " فأشاروا إلى ابن صوريا ، فقال : " أنت أعلمهم ؟ " قال : سل عما شئت ، قال : " أنت أعلمهم " قال : إنهم ليزعمون ذلك . قال : فناشده بالذي أنزل التوراة على موسى ،