محمد بن جرير الطبري

100

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

لها صواهل في صم السلام كما * صاح القسيات في أيدي الصياريف يصف بذلك وقع مساحي الذين حفروا قبر عثمان على الصخور ، وهي السلام . وأعجب القراءتين إلي في ذلك قراءة من قرأ : " وجعلنا قلوبهم قسية " على فعيلة ، لأنها أبلغ في ذم القوم من قاسية . وأولى التأويلين في ذلك بالصواب تأويل من تأوله فعيلة من القسوة ، كما قيل : نفس زكية وزاكية ، وامرأة شاهدة وشهيدة ؛ لأن الله جل ثناؤه وصف القوم بنقضهم ميثاقهم وكفرهم به ، ولم يصفهم بشيء من الإيمان ، فتكون قلوبهم موصوفة بأن إيمانها يخالطه كفر كالدراهم القسية التي يخالط فضتها غش . القول في تأويل قوله تعالى : يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ يقول عز ذكره : وجعلنا قلوب هؤلاء الذين نقضوا عهودنا من بني إسرائيل قسية ، منزوعا منها الخير ، مرفوعا منها التوفيق ، فلا يؤمنون ، ولا يهتدون ، فهم لنزع الله عز وجل التوفيق من قلوبهم والإيمان يحرفون كلام ربهم الذي أنزله على نبيهم موسى صلى الله عليه وسلم ، وهو التوراة ، فيبدلونه ويكتبون بأيديهم غير الذي أنزله الله جل وعز على نبيهم ويقولون لجهال الناس : هذا هو كلام الله الذي أنزله على نبيه موسى صلى الله عليه وسلم والتوراة التي أوحاها إليه . وهذا من صفة القرون التي كانت بعد موسى من اليهود ممن أدرك بعضهم عصر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، ولكن الله عز ذكره أدخلهم في عداد الذين ابتدأ الخبر عنهم ممن أدرك موسى منهم ، إذ كانوا من أبنائهم وعلى منهاجهم في الكذب على الله والفرية عليه ونقض المواثيق التي أخذها عليهم في التوراة . كما : حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ يعني : حدود الله في التوراة ، ويقولون : إن أمركم محمد بما أنتم عليه فاقبلوه ، وإن خالفكم فاحذروا . القول في تأويل قوله تعالى : وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ يعني تعالى ذكره بقوله : وَنَسُوا حَظًّا وتركوا نصيبا ، وهو كقوله : نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ أي تركوا أمر الله فتركهم الله ؛ وقد مضى بيان ذلك بشواهده في غير هذا الموضع فأغنى ذلك عن إعادته . وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ يقول : تركوا نصيبا . حدثني الحارث ، قال : ثنا عبد العزيز قال : ثنا مبارك بن فضالة ، عن الحسن في قوله : وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ قال : تركوا عرى دينهم ووظائف الله جل ثناؤه التي لا تقبل الأعمال إلا بها . القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ يقول تبارك وتعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ولا تزال يا محمد تطلع من اليهود الذين أنبأتك نبأهم من نقضهم ميثاقي ، ونكثهم عهدي ، مع أيادي عندهم ، ونعمتي عليهم ، على مثل ذلك من الغدر والخيانة ، إلا قليلا منهم . والخائنة في هذا الموضع : الخيانة ، وضع وهو اسم موضع المصدر ، كما قيل خاطئة : للخطيئة ، وقائلة : للقيلولة . وقوله : إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ استثناء من الهاء والميم اللتين في قوله : عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ وبنحو الذين قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله : وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ قال : على خيانة وكذب وفجور . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ قال : هم يهود مثل الذي هموا به من النبي صلى الله عليه وسلم يوم دخل حائطهم . حدثني المثني ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، بنحوه . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : قال ابن جريج ، قال مجاهد وعكرمة : قوله : وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ