محمد بن جرير الطبري
101
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
من يهود مثل الذي هموا بالنبي صلى الله عليه وسلم يوم دخل عليهم . وقال بعض القائلين : معنى ذلك : ولا تزال تطلع على خائن منهم ، قال : والعرب تزيد الهاء في آخر المذكر كقولهم : هو راوية للشعر ، ورجل علامة ، وأنشد : حدثت نفسك بالوفاء ولم تكن * للغدر خائنة مغل الإصبع فقال خائنة ، وهو يخاطب رجلا . والصواب من التأويل في ذلك القول الذي رويناه عن أهل التأويل ، لأن الله عنى بهذه الآية القوم من يهود بني النضير الذين هموا بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، إذ أتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعينهم في دية العامريين ، فأطلعه الله عز ذكره على ما قد هموا به . ثم قال جل ثناؤه بعد تعريفه أخبار أوائلهم وإعلامه منهج أسلافهم وأن آخرهم على منهاج أولهم في الغدر والخيانة ، لئلا يكبر فعلهم ذلك على نبي الله صلى الله عليه وسلم ، فقال جل ثناؤه : ولا تزال تطلع من اليهود على خيانة وغدر ونقض عهد . ولم يرد أنه لا يزال يطلع على رجل منهم خائن ، وذلك أن الخبر ابتدئ به عن جماعتهم ، فقيل : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ ، ثم قيل : وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ ، فإذ كان الابتداء عن الجماعة فلتختم بالجماعة أولى . القول في تأويل قوله تعالى : فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وهذ أمر من الله عز ذكره نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بالعفو عن هؤلاء القوم الذين هموا أن يبسطوا أيديهم إليه من اليهود ، يقول الله جل وعز له : اعف يا محمد عن هؤلاء اليهود الذين هموا بما هموا به من بسط أيديهم إليك وإلى أصحابك بالقتل ، واصفح لهم عن جرمهم بترك التعرض لمكروههم ، فإني أحب من أحسن العفو والصفح إلى من أساء إليه . وكان قتادة يقول : هذه منسوخة ، ويقول : نسختها آية براءة : قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ الآية . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ قال : نسختها : قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ حدثني المثني ، قال : ثنا حجاج بن المنهال ، قال : ثنا همام ، عن قتادة : فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ولم يؤمر يومئذ بقتالهم ، فأمره الله عز ذكره أن يعفو عنهم ويصفح ، ثم نسخ ذلك في براءة فقال : قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ وهم أهل الكتاب . فأمر الله جل ثناؤه نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقاتلهم حتى يسلموا ، أو يقروا بالجزية . حدثنا سفيان بن وكيع ، قال : ثنا عبدة بن سليم ، قال : قرأت على ابن أبي عروبة ، عن قتادة نحوه . والذي قاله قتادة غير مدفوع إمكانه ، غير أن الناسخ الذي لا شك فيه من الأمر ، هو ما كان نافيا كل معاني خلافه الذي كان قبله . فأما ما كان غير ناف جميعه ، فلا سبيل إلى العلم بأنه ناسخ إلا بخبر من الله جل وعز ، أو من رسوله صلى الله عليه وسلم . وليس في قوله : قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ دلالة على الأمر بنفي معاني الصفح والعفو عن اليهود . وإذ كان ذلك كذلك ، وكان جائزا مع إقرارهم بالصغار وأدائهم الجزية بعد القتال ، الأمر بالعفو عنهم في غدرة هموا بها أو نكثة عزموا عليها ، ما لم ينصبوا حربا دون أداء الجزية ، ويمتنعوا من الأحكام اللازمة منهم ، لم يكن واجبا أن يحكم لقوله : قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ الآية ، بأنه ناسخ قوله : فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ القول في