محمد بن جرير الطبري
99
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
قال : واللام الثانية ، يعني قوله : لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ جواب لها ، يعني للام التي في قوله : لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ واعتل لقيله ذلك بأن قوله : لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ غير تام ولا مستغن عن قوله : لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وإذ كان ذلك كذلك ، فغير جائز أن يكون قوله : لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ قسما مبتدأ ، بل الواجب أن يكون جوابا لليمين إذ كانت غير مستغنية عنه . وقوله : تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يقول : يجري من تحت أشجار هذه البساتين التي أدخلكموها الأنهار . القول في تأويل قوله تعالى : فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ يقول عز ذكره : فمن جحد منكم يا معشر بني إسرائيل شيئا مما أمرته به ، فتركه ، أو ركب ما نهيته عنه فعمله بعد أخذي الميثاق عليه بالوفاء لي بطاعتي واجتناب معصيتي . فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ يقول : فقد أخطأ قصد الطريق الواضح ، وزل عن منهج السبيل القاصد . والضلال : الركوب على غير هدى ؛ وقد بينا ذلك بشاهده في غير هذا الموضع . وقوله : سَواءَ يعني به : وسط السبيل ، وقد بينا تأويل ذلك كله في غير هذا الموضع ، فأغنى عن إعادته في هذا الموضع . القول في تأويل قوله تعالى : فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : يا محمد ، لا تعجبن من هؤلاء اليهود الذين هموا أن يبسطوا أيديهم إليك وإلى أصحابك ، ونكثوا العهد الذي بينك وبينهم ، غدرا منهم بك وأصحابك ، فإن ذلك من عاداتهم وعادات سلفهم ؛ ومن ذلك أني أخذت ميثاق سلفهم على عهد موسى على طاعتي ، وبعثت منهم اثني عشر نقيبا وقد تخيروا من جميعهم ليتجسسوا أخبار الجبابرة ، ووعدتهم النصر عليهم ، وأن أورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم ، بعد ما أريتهم من العبر والآيات بإهلاك فرعون وقومه في البحر وفلق البحر لهم وسائر العبر ما أريتهم ، فنقضوا ميثاقهم الذي واثقوني ونكثوا عهدي ، فلعنتهم بنقضهم ميثاقهم ؛ فإذا كان ذلك من فعل خيارهم مع أيادي عندهم ، فلا تستنكروا مثله من فعل أراذلهم . وفى الكلام محذوف اكتفي بدلالة الظاهر عليه ، وذلك أن معنى الكلام : فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل ، فنقضوا الميثاق ، فلعنتهم ، فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم ، فاكتفى بقوله : فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ من ذكر " فنقضوا " . ويعني بقوله جل ثناؤه : فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ فبنقضهم ميثاقهم . كما قال قتادة . حدثنا بشر قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ يقول : فبنقضهم ميثاقهم لعناهم . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس : فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ قال : هو ميثاق أخذه الله على أهل التوراة فنقضوه . وقد ذكرنا معنى اللعن في غير هذا الموضع . والهاء والميم من قوله : فَبِما نَقْضِهِمْ عائدتان على ذكر بني إسرائيل قبل . القول في تأويل قوله تعالى : وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء أهل المدينة وبعض أهل مكة والبصرة والكوفة : قاسِيَةً بالألف ، على تقدير فاعلة ، من قسوة القلب ، من قول القائل : قسا قلبه ، فهو يقسو وهو قاس ، وذلك إذا غلظ واشتد وصار يابسا صلبا ، كما قال الراجز : وقد قسوت وقست لداتي فتأويل الكلام على هذه القراءة : فلعنا الذين نقضوا عهدي ولم يفوا بميثاقي من بني إسرائيل بنقضهم ميثاقهم الذي واثقوني ، وجعلنا قلوبهم قاسية غليظة يابسة عن الإيمان بي والتوفيق لطاعتي ، منزوعة منها الرأفة والرحمة . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين : " وجعلنا قلوبهم قسية " . ثم اختلف الذين قرءوا ذلك كذلك في تأويله ، فقال بعضهم : معنى ذلك : معنى القسوة ، لأن فعيلة في الذم أبلغ من فاعلة ، فاخترنا قراءتها قسية على قاسية لذلك . وقال آخرون منهم : بل معنى " قسية " غير معنى القسوة ؛ وإنما القسية في هذا الموضع القلوب التي لم يخلص إيمانها بالله ، ولكن يخالط إيمانها كفر كالدراهم القسية ، وهي التي يخالط فضتها غش من نحاس أو رصاص وغير ذلك ، كما قال أبو زبيد الطائي :