محمد بن جرير الطبري
90
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
آمن بعضهم خرجوا من الوعيد الذي توعده في عاجل الدنيا ، وأخرت عقوبة المقيمين على التكذيب إلى الآخرة ، فقال لهم : كفاكم بجهنم سعيرا . ويعني قوله : وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً وحسبكم أيها المكذبون بما أنزلت على محمد نبيي ورسولي بجهنم سعيرا ، يعني : بنار جهنم تسعر عليكم : أي توقد عليكم . وقيل : سَعِيراً أصله مسعورا ، من سعرت تسعر فهي مسعورة ، كما قال الله : وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ ولكنها صرفت إلى فعيل ، كما قيل : كف خضيب ولحية دهين ، بمعنى مخضوبة ومدهونة ، والسعير : الوقود . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً . . . جُلُوداً غَيْرَها هذا وعيد من الله جل ثناؤه للذين أقاموا على تكذيبهم بما أنزل الله على محمد من يهود بني إسرائيل وغيرهم من سائر الكفار برسوله . يقول الله لهم : إن الذين جحدوا ما أنزلت على رسولي محمد صلى الله عليه وسلم من آياتي ، يعني من آيات تنزيله ووحي كتابه ، وهي دلالاته وحججه على صدق محمد صلى الله عليه وسلم ، فلم يصدقوا به من يهود بني إسرائيل وغيرهم من سائر أهل الكفر به ؛ سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً يقول : سوف ننضجهم في نار يصلون فيها : أي يشوون فيها . كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ يقول : كلما انشوت بها جلودهم فاحترقت ، بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها يعني : غير الجلود التي قد نضجت فانشوت . كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن الأعمش ، عن ثوير ، عن ابن عمر : كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها قال : إذا احترقت جلودهم بدلناهم جلودا بيضا أمثال القراطيس . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها يقول : كلما احترقت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع ، في قوله : كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ قال : سمعنا أنه مكتوب في الكتاب الأول أن جلد أحدهم أربعون ذراعا ، وسنه سبعون ذراعا ، وبطنه لو وضع فيه جبل لوسعه ، فإذا أكلت النار جلودهم بدلوا جلودا غيرها . حدثني المثنى ، قال : ثنا سويد بن نصر ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، قال : بلغني عن الحسن : كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها قال : ننضجهم في اليوم سبعين ألف مرة . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا أبو عبيدة الحداد ، عن هشام بن حسان ، عن الحسن ، قوله : كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها قال : تنضج النار كل يوم سبعين ألف جلد ، وغلظ جلد الكافر أربعون ذراعا ، والله أعلم بأي ذراع . فإن سأل سائل ، فقال : وما معنى قوله جل ثناؤه : كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها وهل يجوز أن يبدلوا جلودا غير جلودهم التي كانت لهم في الدنيا ، فيعذبوا فيها ؟ فإن جاز ذلك عندك ، فأجز أن يبدلوا أجساما وأرواحا غير أجسامهم وأرواحهم التي كانت لهم في الدنيا فتعذب وإن أجزت ذلك ، لزمك أن يكون المعذبون في الآخرة بالنار غير الذين أوعدهم الله العقاب على كفرهم به ومعصيتهم إياه ، وأن يكون الكفار قد ارتفع عنهم العذاب قيل : إن الناس اختلفوا في معنى ذلك ، فقال بعضهم : العذاب إنما يصل إلى الإنسان الذي هو غير الجلد واللحم ، وإنما يحرق الجلد ليصل إلى الإنسان ألم العذاب ، وأما الجلد واللحم فلا يألمان . قالوا : فسواءأعيد على الكافر جلده الذي كان له في الدنيا ، أو جلد غيره ، إذ كانت الجلود غير آلمة ولا معذبة ، وإنما الآلمة المعذبة النفس التي تحس الألم ، ويصل إليها الوجع . قالوا : وإذا كان ذلك كذلك ، فغير مستحيل أن يخلق لكل كافر في النار في كل لحظة وساعة من الجلود ما لا يحصى عدده ، ويحرق ذلك عليه ، ليصل إلى نفسه ألم العذاب ، إذ كانت الجلود لا تألم . وقال آخرون : بل الجلود تألم ، واللحم وسائر أجزاء جرم بني آدم ، وإذا أحرق جلده أو غيره من أجزاء جسده ، وصل ألم ذلك إلى جميعه . قالوا : ومعنى قوله : كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها بدلناهم جلودا غير محترقة ، وذلك أنها تعاد جديدة ،