محمد بن جرير الطبري
91
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
والأولى كانت قد احترقت فأعيدت غير محترقة ، فلذلك قيل غيرها ، لأنها غير الجلود التي كانت لهم في الدنيا التي عصوا الله وهي لهم . قالوا : وذلك نظير قول العرب للصائغ إذا استصاغته خاتما من خاتم مصوغ ، بتحويله عن صياغته التي هو بها إلى صياغة أخرى : صغ لي من هذا الخاتم خاتما غيره فيكسره ويصوغ له منه خاتما غيره والخاتم المصوغ بالصياغة الثانية هو الأول ، ولكنه لما أعيد بعد كسره خاتما قيل هو غيره . قالوا : فكذلك معنى قوله : كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لما احترقت الجلود ثم أعيدت جديدة بعد الاحتراق ، قيل هي غيرها على ذلك المعنى . وقال آخرون : معنى ذلك : كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ سرابيلهم ، بدلناهم سرابيل من قطران غيرها . فجعلت السرابيل القطران لهم جلودا ، كما يقال للشيء الخاص بالإنسان : هو جلدة ما بين عينيه ووجهه لخصوصه به . قالوا : فكذلك سرابيل القطران التي قال الله في كتابه : سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ لما صارت لهم لباسا لا تفارق أجسامهم جعلت لهم جلودا ، فقيل : كلما اشتعل القطران في أجسامهم واحترق بدلوا سرابيل من قطران آخر . قالوا : وأما جلود أهل الكفر من أهل النار فإنها لا تحرق ، لأن في احتراقها إلى حال إعادتها فناءها ، وفي فنائها راحتها . قالوا : وقد أخبرنا الله تعالى ذكره عنها أنهم لا يموتون ولا يخفف عنهم من عذابها . قالوا : وجلود الكفار أحد أجزاء أجسامهم ، ولو جاز أن يحترق منها شيء فيفنى ثم يعاد بعد الفناء في النار ، جاز ذلك في جميع أجزائها ، وإذا جاز ذلك وجب أن يكون جائزا عليهم الفناء ثم الإعادة والموت ثم الإحياء ، وقد أخبر الله عنهم أنهم لا يموتون . قالوا : وفي خبره عنهم أنهم لا يموتون دليل واضح أنه لا يموت شيء من أجزاء أجسامهم ، والجلود أحد تلك الأجزاء . وأما معنى قوله : لِيَذُوقُوا الْعَذابَ فإنه يقول : فعلنا ذلك بهم ليجدوا ألم العذاب وكربه وشدته بما كانوا في الدنيا يكذبون آيات الله ويجحدونها . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً يقول : إن الله لم يزل عزيزا في انتقامه ممن انتقم منه من خلقه ، لا يقدر على الامتناع منه أحد أراده بضر ، ولا الانتصار منه أحد أحل به عقوبة ، حكيما في تدبيره وقضائه . القول في تأويل قوله تعالى : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ يعني بقوله جل ثناؤه : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ والذين آمنوا بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم ، وصدقوا بما أنزل الله على محمد مصدقا لما معهم من يهود بني إسرائيل وسائر الأمم غيرهم . وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يقول : وأدوا ما أمرهم الله به من فرائضه ، واجتنبوا ما حرم الله عليهم من معاصيه ، وذلك هو الصالح من أعمالهم . سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يقول : سوف يدخلهم الله يوم القيامة جنات ، يعني : بساتين تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يقول : تجري من تحت تلك الجنات الأنهار . خالِدِينَ فِيها أَبَداً يقول : باقين فيها أبدا بغير نهاية ولا انقطاع ، دائم ذلك لهم فيها أبدا . لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ يقول : لهم في تلك الجنات التي وصف صفتها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ يعني : بريئات من الأدناس والريب الحيض والغائط والبول والحبل والبصاق ، وسائر ما يكون في نساء أهل الدنيا . وقد ذكرنا ما في ذلك من الآثار فيما مضى قبل ، وأغنى ذلك عن إعادتها . وأما قوله : وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا فإنه يقول : وندخلهم ظلا كنينا ، كما قال جل ثناؤه : وَظِلٍّ مَمْدُودٍ وكما : حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، وحدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قالا جميعا ، ثنا شعبة ، قال : سمعت أبا الضحاك يحدث عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها ، شجرة الخلد " . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ