محمد بن جرير الطبري
89
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
يعني : بذلك جل ثناؤه : أم يحسد هؤلاء اليهود الذين وصف صفتهم في هذه الآيات ، الناس على ما آتاهم الله من فضله ، من أجل أنهم ليسوا منهم ، فكيف لا يحسدون آل إبراهيم ، فقد أتيناهم بالكتاب ؟ ويعني بقوله : فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ فقد أعطينا آل إبراهيم ، يعني : أهله وأتباعه على دينه الْكِتابَ يعني : كتاب الله الذي أوحاه إليهم ، وذلك كصحف إبراهيم وموسى والزبور ، وسائر ما آتاهم من الكتب . وأما الحكمة ، فما أوحى إليهم مما لم يكن كتابا مقروءا . وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً واختلف أهل التأويل في معنى الملك العظيم الذي عناه الله في هذه الآية ، فقال بعضهم : هو النبوة . ذكر من قال ذلك : حدثنا المثنى ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ قال : يهود ، عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب وليسوا منهم ، والحكمة ، وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً قال : النبوة . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله ، إلا أنه قال : مُلْكاً النبوة . وقال آخرون : بل ذلك تحليل النساء ؛ قالوا : وإنما عنى الله بذلك : أم يحسدون محمدا على ما أحل الله له من النساء ، فقد أحل الله مثل الذي أحله له منهن لداود وسليمان وغيرهم من الأنبياء ، فكيف لم يحسدوهم على ذلك وحسدوا محمدا عليه الصلاة والسلام ؟ ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ سليمان وداود الْحِكْمَةَ يعني : النبوة . وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً في النساء ، فما باله حل لأولئك وهم أنبياء أن ينكح داود تسعا وتسعين امرأة ، وينكح سليمان مائة ، ولا يحل لمحمد أن ينكح كما نكحوا . وقال آخرون : بل معنى قوله : وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً الذي آتى سليمان بن داود . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس : وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً يعني : ملك سليمان . وقال آخرون : بل كانوا أيدوا بالملائكة . ذكر من قال ذلك : حدثنا أحمد بن حازم الغفاري ، قال : ثنا أبو نعيم ، قال : ثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن همام بن الحارث : وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً قال : أيدوا بالملائكة والجنود . وأولى هذه الأقوال بتأويل الآي ، وهي قوله : آتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً القول الذي روي عن ابن عباس أنه قال : يعني : ملك سليمان ؛ لأن ذلك هو المعروف في كلام العرب ، دون الذي قال : إنه ملك النبوة ، ودون قول من قال : إنه تحليل النساء والملك عليهن . لأن كلام الله الذي خوطب به العرب غير جائز توجيهه إلا إلى المعروف المستعمل فيهم من معانيه ، إلا أن تأتي دلالة أو تقوم حجة على أن ذلك بخلاف ذلك يجب التسليم لها . القول في تأويل قوله تعالى : فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ يعني بذلك جل ثناؤه : فمن الذين أوتوا الكتاب من يهود بني إسرائيل الذين قال لهم جل ثناؤه : آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها مَنْ آمَنَ بِهِ يقول : من صدق بما أنزلنا على محمد صلى الله عليه وسلم مصدقا لما معهم . وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ ومنهم من أعرض عن التصديق به . كما : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ قال : بما أنزل على محمد من يهود وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . وفي هذه الآية دلالة على أن الذين صدوا عما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم من يهود بني إسرائيل الذين كانوا حوالي مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما رفع عنهم وعيد الله الذي توعدهم به ، في قوله : آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا في الدنيا ، وأخرت عقوبتهم إلى يوم القيامة ، لإيمان من آمن منهم . وإن الوعيد لهم من الله بتعجيل العقوبة في الدنيا إنما كان على مقام جميعهم على الكفر بما أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم ، فلما